وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة أُنشئت لإرساء نظام دولي يقوم على الأمن الجماعي وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، فإن الأزمات الدولية المتعاقبة، مثل أزمات العراق وسوريا وأوكرانيا والحرب على غزة، كشفت محدودية قدرة المنظمة على إنفاذ قواعد الشرعية الدولية، بخاصة في ظل الانقسامات داخل مجلس الأمن واستخدام حق النقض. ومن ثم، لم تعد أزمة الشرعية الدولية تتمثل في نقص القواعد القانونية، بقدر ما تتمثل في إشكالية تطبيقها على نحو عادل ومتساو. ومن هنا تبرز الإشكالية المتمثلة في التساؤل عن مدى قدرة الأمم المتحدة على حفظ فاعلية الشرعية الدولية في ظل تصاعد وتائر سياسات القوة وتعارض مصالح الدول الكبرى، وما إذا كانت لا تزال قادرة على الاضطلاع بدورها، بوصفها الضامن الرئيس للسلم والأمن الدوليين.
بين المبادئ القانونية وواقع الممارسة
مثّل إنشاء الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية نقطة تحول جوهرية في تاريخ العلاقات الدولية، إذ سعت الدول المنتصرة إلى بناء نظام عالمي جديد يحول دون تكرار المآسي التي خلفتها الحربان العالميتان، ويجعل اللجوء إلى القوة العسكرية استثناء تحكمه قواعد قانونية صارمة، بعدما كان وسيلة مشروعة لتحقيق المصالح الوطنية. ولهذا أرسى ميثاق الأمم المتحدة مجموعة من المبادئ الأساسية، في مقدمتها المساواة في السيادة بين الدول، وحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة، وتسوية المنازعات بالوسائل السلمية، مع قصر استخدام القوة على حالتي الدفاع الشرعي عن النفس أو صدور تفويض صريح من مجلس الأمن في إطار نظام الأمن الجماعي.
ولم يقتصر دور الأمم المتحدة على تنظيم العلاقات السياسية والأمنية، بل أصبحت الإطار المؤسسي الأهم للتعاون الدولي في مجالات التنمية وحقوق الإنسان والإغاثة الإنسانية وحفظ السِّلم، وأسهمت في إنشاء منظومة قانونية ومؤسساتية عزَّزت مكانة القانون الدولي بوصفه المرجعية الأساسية لتنظيم العلاقات بين الدول. وقد ساعدت بعثات حفظ السلام، وجهود الوساطة، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في ترسيخ مكانة المنظمة باعتبارها الركيزة الأساس للشرعية الدولية.
غير أن التطبيق العملي كشف، منذ وقت مبكر، أن فعالية هذا النظام لا تعتمد على النصوص القانونية وحدها، بل ترتبط إلى حد كبير بالتوافق السياسي بين الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن. فقد مُنح حق النقض لضمان مشاركة القوى الكبرى في إدارة النظام الدولي ومنع تحول المنظمة إلى ساحة للصراع بينها، إلا أن هذا الامتياز أَصبح في كثير من الأحيان سبباً في تعطيل المجلس وعجزه عن اتخاذ قرارات حاسمة تجاه أزمات تهدد السلم والأمن الدوليين.
وقد تجلَّت هذه الإشكالية في عدد من الأزمات الدولية التي كشفت حدود قدرة الأمم المتحدة على تنفيذ مبادئها. ففي رواندا في العام 1994 أخفق المجتمع الدولي في منع واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في العصر الحديث، على الرغم من توافر مؤشرات مبكرة على اتساع أعمال العنف. كما عجزت قوات الأمم المتحدة في البوسنة والهرسك عن منع مجزرة سربرينيتسا في العام 1995، الأمر الذي أثار انتقادات حادة لفعالية المنظمة في حماية المدنيين عندما تغيب الإرادة السياسية للدول الكبرى.
وتكرَّر الجدلُ خلال أزمة كوسوفو في العام 1999، حين تدخل حلف شمال الأطلسي عسكرياً من دون تفويض صريح من مجلس الأمن نتيجة الانقسام بين أعضائه الدائمين. وقد أثار ذلك نقاشاً قانونياً واسعاً بين من اعتبر التدخل انتهاكاً لأحكام ميثاق الأمم المتحدة، ومن رأى أنه كان ضرورة إنسانية لمنع وقوع انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، وهو ما أبرز التوتر المستمر بين الشرعية القانونية والاعتبارات الإنسانية.
كما شكل غزو العراق في العام 2003 أحد أبرز التحديات التي واجهت الشرعية الدولية، إذ قادت الولايات المتحدة تحالفاً عسكريّاً لإسقاط النظام العراقي استناداً إلى ادّعاءات امتلاكه أسلحة تدميرٍ شامل، من دون الحصول على تفويض جديد من مجلس الأمن. ومع عدم العثور على تلك الأسلحة لاحقاً، تصاعد الجدل حول مشروعية التدخُّل، وعَدّه كثير من الباحثين سابقة أضعفت الثقة بقدرة القانون الدولي على تقييد استخدام القوّة، فضلاً عن تداعياته الأمنية والسياسية التي امتدَّت إلى المنطقة بأسرها.
وأعادت الأزمات اللّاحقة إنتاجَ الإشكالية ذاتها. ففي سوريا حالَ الانقسامُ بين القوى الكبرى دون صدور قرارات حاسمة تُسهم في إنهاء النزاع أو مُحاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة. كما عجز مجلس الأمن عن اتخاذ إجراءات مُلزِمة بشأن الحرب الروسية الأوكرانية بسبب استخدام روسيا حق النقض. وأثار المشهد ذاته خلال الحرب على غزّة انتقادات واسعة، بعدما أدى الانقسام داخل المجلس إلى تعطيل مشروعات قرارات تتعلق بوقف إطلاق النار أو تعزيز حماية المدنيين، الأمر الذي عمَّق الجدلَ حول ازدواجية تطبيق القانون الدولي وحدود فعالية الأمم المتّحدة في مُواجَهة الأزمات الكبرى.
وتكشف هذه الوقائع أن أزمة الأمم المتّحدة لا تعود إلى نقْصٍ في قواعد القانون الدولي، وإنّما إلى صعوبة تطبيقها بصورة مُتساوية عندما تَتعارض مع مصالح القوى الكبرى. فكلما غابتِ الإرادة السياسية، تراجعتْ قدرة المنظمة على الاضْطلاع بمسؤولياتها، واتسعت الفجوة بين المبادئ التي ينصّ عليها الميثاقُ وبين الواقع الذي تَحكمه اعتباراتُ القوة، وهو ما جعل إصلاحَ مجلس الأمن وآليّات اتخاذ القرار فيه أحد أبرز المطالب المطروحة في المناقشات الدولية.
الشرعية الدولية في مواجهة سياسات القوة
إذا كان النّظامُ الدولي قد تأسَّس على مبدأ إخضاع القوة لأحكام القانون، فإن التطورات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة أَظهرت أن العلاقةَ بين القانون والسياسة ظلت محكومةً إلى حد كبير بموازين القوة الدولية. فقد بَرزتِ الولايات المتحدة بوصفها القوة الأكثر تأثيراً في النظام الدولي، وأسهمت في دعْمِ الأمم المتّحدة وتمويل العديد من برامجها الإنسانية والتنموية. كما قامَتْ بدَور رئيس في إنشاء عدد من المؤسسات الدولية التي شكلت دعائم النظام العالمي؛ إلا أن هذا الدور لم يَمنع تعرضها لانتقادات متكررة بسبب لجوئها في بعض الحالات إلى اتخاذِ قرارات أحاديّة أو استخدام القوة خارج إطار التفويض الأممي.
وقد عَكست حربُ فيتنام، ثمَّ التدخل العسكري في العراق، والعمليات السابقة الممتدة في أفغانستان، جانباً من هذا الجَدَل، حيث بررت الإدارات الأميركية تلك التدخلات بحماية الأمن القومي أو مُكافحةِ الإرهاب أو الدفاع عن الاستقرار الدولي، في حين رأى منتقدوها أنها تجاوزتِ الإطارَ الذي رسَمه ميثاق الأمم المتحدة، وأَسهمت في إضعافِ منظومة الأمن الجماعي. كما أثارتْ سياسة "أميركا أولاً" خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب انتقادات واسعةً بَعد الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، واتفاق باريس للمناخ، ومنظمة اليونسكو، ومجلس حقوق الإنسان، فضلاً عن الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وهي قرارات عَكست مَيْلاً مُتزايدا نحو تغليب الاعتبارات الوطنية على العمل الدولي متعدّد الأطراف.
ومع ذلك، فإنّ اختزال أزمة الشرعية الدولية في السياسات الأميركية وحدها لا يَعكس حقيقةَ المَشهد الدولي، إذ إنّ قوى كبرى أخرى انتَهجت سياسات أثارت بدورها إشكالاتٍ قانونية مُماثِلة. فقد تدخلت روسيا عسكرياً في جورجيا في العام 2008، ثم ضمت شبه جزيرة القرم في العام 2014، قبل أن تطلِق عمليتها العسكرية واسعة النطاق في أوكرانيا في العام 2022، مبرّرة ذلك باعتبارات أمنية وإستراتيجية، بينما اعتَبرت غالبية الدول هذه الخطوات انتهاكاً لمبادئ السيادة وسلامة الأراضي المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.
وفي آسيا، واصَلتِ الصين تعزيز وجودها العسكري في بحر الصين الجنوبي، على الرغم من صدور أحكام دولية رَفضت بعض مطالبها البحرية، وهو ما أَثار مخاوف من تزايد النزاعات الإقليمية وطَرَح تساؤلات بشأن مدى التزام القوى الكبرى بأحكام القانون الدولي عندما تتعارَض مع مصالحها الإستراتيجية. كما نفذت تركيا عمليات عسكرية متكرّرة في شمال سوريا استناداً إلى اعتباراتٍ تتعلق بأمنها القومي، بينما برَّر الاحتلال الإسرائيلي عملياته العسكرية المتكررة بحقه في الدفاع عن النفس، في حين رأت أطراف دولية عديدة أنّ بعض تلك العمليات أثارت إشكالات قانونية وإنسانية تتعلق بمَبدأيْ التناسب وحماية المدنيين.
ولم تقتصر تحدّيات الشرعية الدولية على هذه الأزمات، بل امتدّت إلى نزاعاتِ اليمن والسودان ومنطقة الساحل الإفريقي، حيث تداخلتِ الصراعاتُ الداخلية مع التدخلات الخارجية، وباتتِ الأمم المتحدة تواجه صعوبات متزايدة في إدارة الأزمات نتيجة تعارُض مصالح القوى الإقليمية والدولية. ويؤكد ذلك أن أزمة الشرعية الدولية لا ترتبط بدولة بعينِها، وإنما تَعكس طبيعة النظام الدولي الذي تميل فيه الدول، ولاسيّما الكبرى منها، إلى إعادة تفسير قواعد القانون الدولي بما يَنسجم مع أولوياتها السياسية والأمنية.
وتزداد هذه التحديات تعقيداً في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، مع صعود الصين، وعودة روسيا إلى المنافسة الدولية، واتساع دَور القوى الإقليمية، إلى جانب ظهور تهديدات جديدة، مثل الإرهاب العابر للحدود، والهجمات السيبرانية، والذكاء الاصطناعي العسكري، والتغير المناخي، وأزمات الطاقة والغذاء. وأمام هذه المتغيرات، تبدو الحاجة إلى تعاونٍ دولي أكثر فاعلية وإلى مؤسسات دولية أكثر قدرة على اتخاذِ قرارات مُلزمة بعيداً من اعتبارات الاستقطاب السياسي.
من هنا، تتزايد الدعوات إلى إصلاح الأمم المتحدة، وعلى نحو خاصّ مجلس الأمن، من خلال توسيع تمثيله، وإعادة النظر في آليات استخدام حق النقض، وتعزيز دَور الجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية، بما يَضمن قدراً أكبر من العدالة والفعالية في تطبيق قواعد القانون الدولي. وعلى الرغم ممّا يحيط بهذه الإصلاحات من صعوبات سياسية، فإنها أصبحت ضرورة ملحة لحفظ صدقية الشرعية الدولية وتعزيز قدرة الأمم المتحدة على مُواجَهة التحديات التي يَفرضها النظامُ الدولي المُعاصِر.
تَكشف التجربة التاريخية للأُمم المتحدة أنّ نجاحَ الشرعية الدولية لم يكن مرهوناً بوجود قواعد قانونية فحسب، بل بمدى استعداد الدول، ولاسيما القوى الكبرى، لاحترام تلك القواعد وتطبيقها على نحو متساو. وقد أظهرتِ الأزماتُ الدولية المتلاحقة أن الاعتبارات السياسية كثيرا ما غلبتِ الالتزامات القانونية، الأمر الذي حدّ من فعالية الأمم المتحدة وأضعف ثقة المُجتمع الدولي بقدرتها على حفْظِ السّلم والأمن الدوليين.
مع ذلك، لا تزال الأمم المتحدة تمثل الإطار المؤسّسي الأكثر شرعية لتنظيم العلاقات الدولية، إذ يصعب تصور نظام عالمي قادر على مواجهة التحديات المعاصِرة بعيداً من مظلة التعاون متعدد الأطراف. ومن ثم، فإن تعزيز فاعلية المنظمة يقتضي إصلاحا مؤسسياً يعزز عدالة تمثيل الدول، ويحدّ من شلل مجلس الأمن، ويُكرس مَبدأ المساواة في تطبيق القانون الدولي؛ فمستقبل الشرعية الدولية لن يتحدد بمدى تطور قواعد القانون وحدها، وإنما بقدرة المجتمع الدولي على جعْلِ هذه القواعد ملزمة للجميع دونما تمييز، بما يحقق التوازن بين مقتضيات السيادة الوطنية ومتطلبات الأمن الجماعي ويَحفظ استقرار النظام الدولي.
* كاتبة وأكاديمية جزائرية
* ينشر بالتزامن مع دوريةأفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.