فالموقع الذي كان عبر التاريخ جسرًا للتبادل الحضاري والتجاري بين الشرق والغرب، أصبح في القرن الحادي والعشرين يمثل ركنًا أساسيًا في معادلة الأمن الجماعي، حيث تتقاطع عنده اعتبارات السيادة الوطنية، وحرية الملاحة، وأمن الطاقة، وسلامة سلاسل الإمداد، واستقرار الأسواق المالية، الأمر الذي جعل أي اضطراب يقع فيه يمتد أثره إلى ما هو أبعد من حدوده الجغرافية ليطال النظام الاقتصادي العالمي بأسره.
ولعل المتغيرات الإقليمية والدولية التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الأخيرة كشفت بوضوح أن معالجة التحديات البحرية لم تعد تحتمل الاقتصار على الحلول الأمنية التقليدية، ولا يمكن أن تعتمد على ردود أفعال مؤقتة مهما بلغت فعاليتها العسكرية. فالأزمات البحرية بطبيعتها تتجاوز الجانب الأمني، لأنها ترتبط بعقود التجارة الدولية، والتأمين البحري، والاستثمار، والنقل، وتمويل المشروعات، والتزامات الدول بموجب القانون الدولي. ومن هنا برزت الحاجة إلى الانتقال من مفهوم حماية الممرات البحرية إلى مفهوم أوسع وأعمق، يقوم على الحوكمة القانونية والمؤسسية للأمن البحري، باعتبارها الطريق الأكثر استدامة لتحقيق الأمن والاستقرار.
وفي هذا السياق برزت المملكة العربية السعودية بوصفها أحد أهم الفاعلين الإقليميين في إعادة صياغة مفهوم الأمن في البحر الأحمر من خلال الدفع نحو بناء إطار مؤسسي للتعاون بين الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، إدراكًا منها أن الموقع الجغرافي الاستثنائي لهذا الممر لا يمكن أن يبقى رهين المعالجات الظرفية، وإنما يحتاج إلى منظومة دائمة للتنسيق والتشاور وبناء الثقة.
وقد عكست التحركات السعودية الأخيرة، وما رافقها من تنسيق سياسي وإقليمي، رؤية تقوم على أن أمن البحر الأحمر مسؤولية جماعية، وأن التعاون المنظم بين الدول المشاطئة يمثل المدخل الأكثر اتساقًا مع مبادئ القانون الدولي وأهداف التنمية والاستقرار، وهو توجه ينسجم مع الإطار المؤسسي الذي أرساه مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، بوصفه منصة للتعاون والتنسيق، لا بديلا عن النظام القانوني الدولي، بل رافدًا له ومكملًا لأهدافه.
ولا يقتصر هذا التصور على البعد السياسي، بل يجد سنده في المبادئ الراسخة للقانون الدولي العام. فميثاق الأمم المتحدة لم يجعل حفظ السلم والأمن الدوليين مسؤولية حصرية لمؤسسات الأمم المتحدة، وإنما شجع أيضًا على التعاون الإقليمي المنسجم مع مقاصده، كما أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار أرست قواعد واضحة تحكم حرية الملاحة والمرور عبر المضايق الدولية والتعاون في مواجهة الأخطار التي تهدد سلامة الملاحة. ومن ثم فإن المبادرات الإقليمية التي تقوم على التعاون المؤسسي لا تمثل خروجًا على القانون الدولي، وإنما تجسد تطبيقًا عمليًا لروحه القائمة على تقاسم المسؤولية وتعزيز الأمن الجماعي.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن استقرار الممرات البحرية لا يتحقق فقط بانتشار القطع البحرية أو بتعزيز القدرات الدفاعية، وإنما يتحقق قبل ذلك بوجود مؤسسات قادرة على إدارة الاختلافات، وتنسيق المواقف، وبناء قواعد مشتركة للتعامل مع الأزمات. فالقوة تستطيع أن توقف تهديدًا آنيًا، لكنها لا تبني وحدها بيئة مستقرة للتجارة والاستثمار، بينما تستطيع المؤسسات القانونية أن تؤسس لثقة مستدامة تجعل الالتزام بالقانون هو الضامن الحقيقي لاستمرار الملاحة واستقرار الأسواق.
ولذلك بدأ الفقه القانوني الدولي يتجاوز النظرة التقليدية التي كانت تحصر الأمن البحري في حماية السفن والموانئ، إلى رؤية أكثر شمولًا تعتبر أن الأمن البحري هو في جوهره أمن قانوني واقتصادي ومؤسسي. فالسفينة التي تعبر البحر الأحمر ليست مجرد وسيلة نقل، وإنما تمثل سلسلة متكاملة من الالتزامات القانونية والمالية تمتد من المنتج إلى المستهلك، ومن المصارف إلى شركات التأمين، ومن المستثمرين إلى الأسواق العالمية. وأي اضطراب في هذه السلسلة ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة، وكلفة النقل، وأسعار السلع، ومعدلات التضخم، واستقرار الاقتصاد الدولي.
ولهذا لم يعد من الممكن الفصل بين الأمن البحري والأمن الاقتصادي. فالتجارة العالمية تقوم على الثقة، والثقة لا يمكن أن تزدهر في بيئة يسودها الغموض القانوني أو تتعدد فيها التفسيرات بشأن المسؤولية عن المخاطر أو آثار القوة القاهرة أو التزامات الناقلين والمؤمنين. ومن ثم فإن بناء منظومة قانونية مؤسسية لإدارة المخاطر البحرية يمثل استثمارًا في استقرار الاقتصاد العالمي بقدر ما يمثل استثمارًا في الأمن.
إن المبادرات التي تدفع نحو تعزيز التعاون بين الدول المطلة على البحر الأحمر لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها استجابة ظرفية لأحداث آنية، بل باعتبارها تعبيرًا عن تحول أعمق في فلسفة العلاقات الدولية. فالعالم يتجه اليوم إلى بناء أطر إقليمية أكثر قدرة على التعامل مع المخاطر المشتركة، دون أن تمس سيادة الدول أو تنتقص من اختصاصات المنظمات الدولية. وهذا ما يجعل التجربة التي تقودها المملكة العربية السعودية جديرة بالاهتمام، لأنها تقوم على الجمع بين احترام قواعد القانون الدولي، وتعزيز الحوار، وتنسيق الجهود، وإيجاد قنوات مؤسسية للتعاون المستدام.
ولا يعني ذلك أن الأطر المؤسسية تحل محل الإرادة السياسية أو القدرات الأمنية، وإنما تعني أن هذه العناصر تصبح أكثر فاعلية عندما تعمل داخل إطار قانوني واضح. فالقانون يمنح الشرعية، والمؤسسات تمنح الاستمرارية، والإرادة السياسية تمنح القدرة على التنفيذ، ولا يكتمل أي مشروع للأمن البحري إذا غاب أحد هذه الأركان الثلاثة.
ومن الزاوية القانونية، فإن البحر الأحمر يمثل اليوم نموذجًا متقدمًا لما يمكن تسميته بالأمن القانوني للممرات الإستراتيجية. فالتحديات التي تواجهه لا تتعلق فقط بأعمال العنف أو التهديدات الأمنية، وإنما تمتد إلى النزاعات التعاقدية، والتزامات شركات النقل، وتوزيع المخاطر بين أطراف العقود، وآثار ارتفاع تكاليف التأمين، وإعادة توجيه خطوط الملاحة، وهي جميعًا مسائل أصبحت تعرض بصورة متزايدة على هيئات التحكيم والمحاكم الدولية.
وهذا التطور يفرض على القانونيين والمحكمين والخبراء تجاوز القراءة التقليدية للنصوص القانونية، إلى فهم أعمق للعلاقة بين الجغرافيا والقانون، وبين الاقتصاد والأمن، وبين القرارات السيادية والالتزامات الدولية. فالقاضي أو المحكم الذي ينظر في نزاع بحري اليوم لا يفصل في واقعة مجردة، وإنما يتعامل مع منظومة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية والأمنية والقانونية، الأمر الذي يجعل الإحاطة بالسياق الإستراتيجي جزءًا من الكفاءة القانونية، لا خروجًا على مقتضيات الحياد.
ومن هنا فإن بناء الأمن المؤسسي في البحر الأحمر ليس مشروعًا يخص الدول الساحلية وحدها، وإنما يمثل مسؤولية مشتركة للمجتمع الدولي بأسره، لأن هذا الممر لم يعد ملكًا لجغرافيته فحسب، بل أصبح ركنًا من أركان استقرار التجارة العالمية. وكل خطوة تتخذ لتعزيز التعاون القانوني والمؤسسي فيه تنعكس آثارها على حركة الاستثمار، وأسواق المال، والصناعة، والطاقة، والغذاء، وهي مصالح تتجاوز حدود الإقليم لتلامس حياة ملايين البشر.
التحول الحقيقي في مفهوم الأمن لا يبدأ من زيادة عدد السفن في البحر، بل يبدأ من بناء مؤسسات قادرة على تحويل القانون إلى ممارسة يومية، والتعاون إلى التزام دائم، والثقة إلى قاعدة تحكم العلاقات بين الدول. وعندما يتحقق ذلك، يصبح البحر الأحمر أكثر من ممر للتجارة؛ يصبح نموذجًا للحوكمة القانونية التي تجعل من سيادة القانون أساسًا للأمن، ومن التعاون المؤسسي وسيلة لحماية المصالح المشتركة.
ولأن هذه الرؤية الإستراتيجية لا تكتمل إلا ببيان انعكاساتها العملية على التجارة الدولية والتحكيم والاستثمار وسلاسل الإمداد، فإن الجزء الثاني من المقال سيتناول الكيفية التي يمكن بها تحويل هذه المبادئ إلى حلول قانونية قابلة للتطبيق، تجعل من البحر الأحمر نموذجًا إقليميًا في إدارة المخاطر البحرية وفق رؤية تستند إلى القانون الدولي، وتدعم الاستقرار الاقتصادي العالمي.