باحث في تاريخ المملكة العربية السعودية والدراسات الاستشراقية
العنقاء: حين تفسر الأسطورة التاريخ
لم تعش بعض الأساطير آلاف السنين لأنها أقنعت الناس بحقيقتها، وإنما لأنها استطاعت أن تعبر عن حقائق لم تستطع اللغة المباشرة التعبير عنها. فالإنسان، منذ أن بدأ يدوّن تاريخه، لم يستخدم الرموز هروبًا من الواقع، بل سعيًا إلى فهمه. كانت الأسطورة، في كثير من الأحيان، محاولة للإجابة عن أسئلة لم تكن الوقائع وحدها كافية للإجابة عنها. ولهذا بقيت بعض الرموز حية بعد أن اختفت الحضارات التي أبدعتها، لأنها لم تعد ملكًا لشعب بعينه، بل أصبحت جزءًا من اللغة التي تفسر بها الإنسانية تجاربها الكبرى.
ليس المهم في الأسطورة أن تكون قد حدثت، وإنما أن تكون قادرة على تفسير ما يحدث. فالرموز العظيمة لا تعيش لأنها تصف الماضي، بل لأنها تظل قادرة على قراءة الحاضر. ولهذا بقي طائر العنقاء حاضرًا في الأدب والفلسفة والتاريخ، رغم أن أحدًا لم يزعم يومًا أنه رآه. لقد أصبح العنقاء، عبر القرون، رمزًا لفكرة أعمق من وجود طائر أسطوري؛ فكرة تقول إن بعض الأشياء لا تنتهي عندما تسقط، وإن النهاية قد تكون بداية دورة جديدة، وإن التاريخ لا يتحرك دائمًا في خط مستقيم، بل يعرف لحظات من الانقطاع يعقبها انبعاث جديد.
لم يكن الفلاسفة والمؤرخون وحدهم من استخدم هذا الرمز. فقد لجأت إليه أمم كثيرة عندما أرادت أن تصف قدرتها على النهوض بعد الحروب، أو بعد الاحتلال، أو بعد انهيار الدول. أصبحت العنقاء استعارة لحضارة تستعيد مكانتها، ولمدينة تعاد إليها الحياة بعد الخراب، ولمشروع سياسي يرفض أن يموت رغم الهزائم. ولم يعد السؤال: هل وجدت العنقاء حقًا؟ بل أصبح: أي الشعوب وأي الحضارات يمكن أن يصدق عليها هذا الرمز؟
لماذا اختار جيرالد دي غوري «العنقاء العربية»؟
ولعل هذا ما يفسر العنوان الذي اختاره المستعرب والدبلوماسي البريطاني جيرالد دي غوري (Gerald de Gaury) لكتابه «العنقاء العربية» (Arabia Phoenix)، الصادر عام 1946. فمن يقرأ الكتاب يكتشف سريعًا أنه لا يتحدث عن الأساطير، ولا عن الطيور الخيالية، وإنما عن الجزيرة العربية، وعن الملك عبدالعزيز، وعن المجتمع السعودي في مرحلة التأسيس. وكان في وسع دي غوري أن يختار عنوانًا مباشرًا يصف موضوع كتابه، لكنه فضّل أن يضع على غلافه رمزًا سبق التاريخ بآلاف السنين. ولم يكن ذلك بحثًا عن عنوان أدبي جذاب، بل تعبيرًا عن رؤية أراد أن يقدم من خلالها الجزيرة العربية إلى القارئ الغربي.
ولذلك لم يبدأ دي غوري كتابه بالحديث عن الرياض، ولا عن نجد، ولا عن رحلاته، بل بدأه بأسطورة العنقاء. استعاد الروايات اليونانية والرومانية، ثم انتقل إلى التراث الفارسي والعربي، قبل أن يقترب تدريجيًا من الجزيرة العربية. وكأن المؤلف أراد أن يقول إن بعض الوقائع لا يمكن فهمها إلا من خلال الرمز، وإن بعض التحولات التاريخية تحتاج إلى لغة تتجاوز الوصف المباشر.
كان دي غوري يرى أن الجزيرة العربية بدأت، في النصف الأول من القرن العشرين، تستعيد حضورها في وعي العالم بعد قرون من العزلة النسبية. هذا هو المعنى الذي أراد أن يعبّر عنه بالعنقاء. غير أن قراءة هذا العنوان بعد مرور ما يقارب ثمانين عامًا تفتح بابًا آخر ربما لم يكن حاضرًا في ذهن المؤلف نفسه، لكنه ينسجم بصورة مدهشة مع التاريخ السعودي.
ثلاث دول سعودية وفكرة لم تسق
فالذي يعرف تاريخ الدولة السعودية يجد نفسه أمام مسيرة يصعب ألا تستدعي هذا الرمز. لم تكن المملكة العربية السعودية أول دولة سعودية، بل كانت المرحلة الثالثة في مشروع سياسي بدأ في الدرعية عام 1727 بقيام الدولة السعودية الأولى، ثم واجه أول اختبار وجودي بسقوطها عام 1818. وبالنسبة لكثير من معاصري تلك المرحلة، بدا أن المشروع قد انتهى، وأن الدرعية أصبحت فصلًا مغلقًا في تاريخ الجزيرة العربية. لكن التاريخ لم يتوقف عند ذلك الحد.
بعد سنوات قليلة فقط، عادت الأسرة السعودية لتؤسس الدولة السعودية الثانية، واستعادت الرياض، وأعادت بناء السلطة من جديد. لم يكن ذلك تكرارًا آليًا للتجربة الأولى، بل محاولة جديدة انطلقت من الخبرة نفسها، حتى أصبحت الرياض مرة أخرى مركزًا للدولة. وعندما سقطت الدولة الثانية عام 1891، ظن كثيرون أن المشروع السعودي قد بلغ نهايته النهائية. خرج الإمام عبدالرحمن بن فيصل إلى الكويت، وتفرقت القوى السياسية في الجزيرة العربية، ولم يكن في المشهد ما يوحي بأن التاريخ سيمنح هذه الأسرة فرصة ثالثة، فرصة لم تكن لها وحدها، بل للمجتمع الذي نشأ في ظل التجربتين السابقتين، وللجزيرة العربية التي كانت تبحث عن الاستقرار والوحدة، وربما للمنطقة الأوسع التي ستتأثر لاحقًا بما ستقود إليه تلك الفرصة.
لكن التاريخ لا يخضع دائمًا لتوقعات معاصريه.
من استعادة الرياض إلى قيام المملكة
في عام 1902 عاد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ليستعيد الرياض، في حدث لم يكن مجرد انتصار عسكري أو استعادة مدينة فقدتها أسرته قبل أحد عشر عامًا، بل كان بداية مرحلة جديدة في تاريخ الجزيرة العربية. كانت الرياض يومها نقطة البداية، لكنها لم تكن نهاية المشروع. فمنها بدأ الملك عبدالعزيز رحلة طويلة امتدت ثلاثة عقود، انتقل خلالها من استعادة موطن أسرته التاريخي إلى توحيد مناطق واسعة من الجزيرة العربية تحت سلطة سياسية واحدة. ولم تكن المهمة مجرد ضم أراضٍ أو كسب معارك؛ فقد كان عليه أن يواجه واقعًا جغرافيًا واجتماعيًا وسياسيًا بالغ التعقيد، وأن يبني الثقة بين مناطق وقبائل ومجتمعات عاشت طويلًا ضمن ظروف وتجارب مختلفة، وأن يحول الانتصار العسكري إلى سلطة مستقرة، والسلطة إلى دولة لها مؤسساتها وعلاقاتها ومكانها بين الدول. ومع كل مرحلة كانت التجربة تتجاوز حدود استعادة ما فقدته الأسرة السعودية عام 1891، لتصبح مشروعًا أكبر يتعلق بمستقبل جزء واسع من الجزيرة العربية نفسها. وعندما أُعلن قيام المملكة العربية السعودية عام 1932، كانت المسافة التي بدأت باستعادة الرياض قد انتهت إلى دولة جديدة حملت معها إرث التجربتين السابقتين، لكنها لم تكن نسخة منهما. لقد جاءت بعد قرنين تقريبًا من التجربة السياسية السعودية، واستفادت من النجاحات والإخفاقات ومن دروس السقوط والعودة، واستطاعت أن تحول ذلك التراكم التاريخي إلى مشروع دولة أكثر قدرة على الاستمرار والاستقرار والتكيف مع عالم كان هو الآخر يتغير بسرعة.
وهنا تحديدًا تتجاوز العنقاء حدود الأسطورة وتصبح مدخلًا لقراءة التاريخ. فإذا كان جيرالد دي غوري قد استخدمها ليعبّر عن عودة الجزيرة العربية إلى اهتمام العالم، فإن مسيرة الدولة السعودية تمنح الرمز معنى أعمق. فالانبعاث لم يحدث مرة واحدة، بل تكرر عبر ثلاثة أجيال من التجربة السياسية: دولة قامت في الدرعية، ثم سقطت؛ ودولة عادت في الرياض، ثم سقطت؛ ثم تجربة ثالثة خرجت من ذلك التاريخ الطويل واستطاعت أن تؤسس المملكة العربية السعودية الحديثة. والأهم أن ما عاد في كل مرة لم يكن الحكم وحده، بل فكرة الدولة نفسها؛ فكرة بقيت حاضرة رغم تغير الظروف والأجيال وموازين القوى. ولهذا لا ينبغي فهم الدولة السعودية الثالثة باعتبارها مجرد عودة أخرى لأسرة إلى السلطة، بل باعتبارها اللحظة التي التقت فيها الذاكرة السياسية للتجربتين السابقتين بخبرة تاريخية جديدة، وأصبح فيها الماضي مصدرًا للتعلم لا مجرد نموذج للتكرار. وربما هنا تكمن قوة تشبيه العنقاء: فما نهض بعد كل سقوط لم يكن الشيء نفسه تمامًا، وإنما تجربة تحمل ذاكرتها معها، تتعلم مما سبقها، وتعود بصورة أكثر قدرة على البقاء. والانبعاث، بهذا المعنى، لم يعد خيالًا أدبيًا عن طائر يولد من رماده، بل أصبح مسارًا تاريخيًا يمكن تتبع مراحله من الدرعية إلى الرياض، ومن سقوط عام 1818 إلى سقوط عام 1891، ثم إلى استعادة الرياض عام 1902 وإعلان المملكة عام 1932؛ مسارًا انتهى إلى دولة استطاعت، للمرة الأولى في تاريخ التجربة السعودية، أن تعبر من مرحلة التأسيس إلى الاستمرار عبر الأجيال.
وربما تكمن المفارقة في أن جيرالد دي غوري اختار عنوانًا أراد به تفسير لحظة عاشها بنفسه، بينما كشف الزمن عن معنى أوسع بكثير. فما بدا له رمزًا لعودة الجزيرة العربية إلى الظهور، يبدو لنا اليوم رمزًا لمسيرة الدولة السعودية ذاتها؛ دولة لم تفقد هويتها بسقوطها، ولم تبدأ من الصفر مع كل مرحلة جديدة، بل حافظت على استمرارية مشروعها حتى بلغت صورتها الحديثة.
من الدرعية والرياض إلى مكة: مرحلة جديدة من الحضور السعودي
وبعد ثمانين عامًا من صدور كتاب جيرالد دي غوري، جاء مشهد جديد ليضيف إلى عنوان «العنقاء العربية» معنى لم يكن المؤلف البريطاني قادرًا على رؤيته عندما نشر كتابه عام 1946. ففي مكة المكرمة، في 7 أغسطس 2026، وقعت المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، التي تقوم على مبدأ أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجومًا عليها جميعًا. وجاء الاتفاق بعد عقود طويلة من العلاقات الدفاعية بين هذه الدول، وبعد اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك التي وقعتها السعودية وباكستان في سبتمبر 2025، لكنه يضع للمرة الأولى الدول الثلاث داخل إطار دفاعي مشترك يمتد جغرافيًا من الخليج والجزيرة العربية إلى الأناضول وجنوب آسيا.
ولا تكمن أهمية هذا الحدث، عند قراءته ضمن المسار الذي يتناوله هذا المقال، في تفاصيل الاتفاق العسكرية وحدها، وإنما في المسافة التاريخية التي قطعتها الدولة السعودية منذ بداياتها. فالدرعية التي شهدت قيام الدولة السعودية الأولى عام 1727 كانت مركزًا لمشروع سياسي يعمل على تثبيت وجوده في قلب الجزيرة العربية، والرياض التي استعادها الملك عبدالعزيز عام 1902 أصبحت نقطة البداية لبناء المملكة الحديثة، أما مكة في عام 2026 فتشهد المملكة فيها توقيع اتفاق دفاعي يجمع ثلاث دول تمتد مجالاتها الاستراتيجية عبر مساحة واسعة من الشرق الأوسط وجنوب آسيا. إن المقارنة بين هذه اللحظات لا تعني أنها أحداث متشابهة في طبيعتها، لكنها تكشف مقدار ما تغير في موقع الدولة السعودية نفسها: من مشروع كان يسعى إلى البقاء، إلى دولة وحدت جزءًا واسعًا من الجزيرة العربية، ثم إلى دولة أصبحت حاضرة في صياغة ترتيبات تتجاوز حدودها الجغرافية المباشرة.
ويمنح اختيار مكة مكانًا لتوقيع الاتفاق دلالة إضافية يصعب فصلها عن المسار التاريخي للمملكة. فمكة لم تكن يومًا مجرد مدينة داخل الحدود السعودية، بل ظلت مركزًا دينيًا يتجاوز أثره حدود الدولة والجغرافيا، ومكانًا تلتقي فيه شعوب العالم الإسلامي منذ قرون. وأن تحمل اتفاقية دفاعية تجمع السعودية وباكستان وتركيا اسم «مكة» يربط، على المستوى الرمزي على الأقل، بين المكانة التاريخية للمدينة ودور سياسي واستراتيجي جديد للمملكة في محيطها الأوسع. ولا يعني ذلك أن الاتفاق يؤسس بالضرورة لنظام إقليمي جديد، فالحكم على نتائجه يحتاج إلى الزمن، لكنه يكشف عن مرحلة أصبحت فيها الرياض طرفًا فاعلًا في البحث عن ترتيبات أمنية تتجاوز الأطر التي حكمت أمن المنطقة خلال العقود الماضية.
وقد يكون أكثر ما يربط هذا المشهد بفكرة «العنقاء العربية» هو تغير طبيعة السؤال عبر ثلاثة قرون من التاريخ السعودي. كان السؤال بعد سقوط الدرعية عام 1818: هل تعود الدولة؟ وبعد سقوط الدولة الثانية عام 1891: هل انتهى المشروع السعودي؟ وبعد استعادة الرياض عام 1902 أصبح السؤال: هل يستطيع الملك عبدالعزيز بناء دولة تستمر؟ أما بعد قيام المملكة واستقرارها وانتقالها عبر أجيال متعاقبة، فإن السؤال لم يعد متعلقًا بقدرتها على البقاء، بل بالموقع الذي يمكن أن تشغله في النظام الإقليمي والدولي. ومشهد مكة في أغسطس 2026 يقدم إحدى الإجابات الممكنة عن هذا السؤال: دولة لم تعد منشغلة فقط بحماية مشروعها داخل حدودها، بل أصبحت تشارك في بناء علاقات دفاعية واستراتيجية تمتد خارج الجزيرة العربية.
العنقاء العربية: من العودة إلى التأثير
ولهذا يبدو عنوان «العنقاء العربية» (Arabia Phoenix) اليوم أكبر من مجرد عنوان اختاره جيرالد دي غوري لكتاب صدر عام 1946؛ فقد أراد به أن يصف جزيرة عربية تستعيد حضورها أمام العالم، بينما منحه التاريخ معنى أعمق لم يكن قد اكتمل بعد عندما كتب كتابه. فالعنقاء، في التجربة السعودية، ليست طائرًا أسطوريًا ينهض من الرماد، بل فكرة دولة لم يمت معناها حين سقطت، وذاكرة لم يمحها المنفى، وإرادة انتقلت من جيل إلى جيل، حتى استطاعت أن تجعل من النهاية بداية، ومن السقوط خبرة، ومن العودة مشروعًا أكثر رسوخًا واستمرارًا. وربما تكمن أجمل مفارقات التاريخ هنا: أن يختار كاتب أجنبي اسم أسطورة قديمة ليصف ما رآه في الجزيرة العربية، ثم يأتي الزمن ليكشف أن «العنقاء العربية» لم تكن مجرد عنوان لكتاب، بل عنوانًا لمسيرة وطن. فالعنقاء العربية لم تنهض لكي تعود إلى المكان الذي كانت فيه، بل نهضت لتصل إلى فضاءات لم تصل إليها من قبل، ولا تزال تحلّق نحو آفاق جديدة، كأن ثلاثة قرون من التاريخ لم تكن نهاية الرحلة، بل بداية لفضاء أوسع، وعالم أجمل، وجذور أشد رسوخًا في الأرض.