ودخلت الحرب اليمنية مرحلة جديدة، بعدما أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بدء العمليات العسكرية لاستعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية، في تحول نقل القوات الحكومية من سنوات تثبيت خطوط التماس والدفاع إلى محاولة استعادة المبادرة وتغيير الخريطة العسكرية على الأرض. وتزامن الإعلان مع تصعيد العمليات على جبهات عدة، امتدت من تعز إلى مأرب والجوف، وضربات استهدفت مواقع للحوثيين في صنعاء وصعدة، فيما اكتسبت جبهات جنوب وغرب تعز أهمية متزايدة مع ارتباطها بالطرق والممرات المؤدية إلى الساحل الغربي وباب المندب.
وحمل خطاب العليمي رسائل سياسية وعسكرية تجاوزت إعلان بدء العمليات، إذ وضع للمعركة هدفا تمثل في استعادة الدولة ومؤسساتها، وليس السيطرة على الأرض فقط، ودعا إلى توحيد الصف اليمني، وفتح الباب أمام المنسحبين من صفوف الحوثيين، فيما وجه رسالة إلى المجتمع الدولي ربط فيها استعادة سلطة الدولة بأمن الملاحة والممرات البحرية، لتدخل المواجهة مرحلة بات فيها الميدان أمام اختبار ترجمة الخطاب السياسي إلى تغيير فعلي في خريطة السيطرة.
ساعة الاستعادة
أعلن العليمي أن الدولة انتقلت من مرحلة الاستعداد والتهيئة إلى مرحلة العمل والتحرير، مؤكدا أن الهدف لم يقتصر على استعادة الأرض، وإنما امتد إلى إعادة مؤسسات الدولة وسلطتها إليها.
وقال، في خطاب وجهه إلى الشعب اليمني، إنه أصدر بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة توجيهاته إلى القوات المسلحة والأمن والتشكيلات العسكرية لتنفيذ المهام المقررة وفق الخطط المعتمدة وقرارات مجلس الدفاع الوطني، بعد استكمال الإجراءات والاستعدادات اللازمة للمرحلة الجديدة.
ودعا العليمي القوى السياسية والاجتماعية والقبلية والمواطنين إلى توحيد الصفوف خلف الدولة، مؤكدا أن العمليات العسكرية لم تستهدف أبناء المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، ولم تكن حربا ضد قبيلة أو منطقة أو مذهب.
ووجه رسائل مباشرة إلى سكان صنعاء وصعدة والحديدة وعمران وذمار وإب وغيرها، داعيا المدنيين إلى الابتعاد عن المواقع والتجمعات العسكرية وطرق الإمداد، وعدم السماح للحوثيين بالزج بأبنائهم في جبهات القتال.
كما فتح الباب أمام عناصر الجماعة للانسحاب، وأكد توفير العودة الآمنة والعفو لمن ترك السلاح، وشدد في الوقت نفسه على منع أعمال الثأر والانتقام في المناطق التي استعادت أو قد تستعيدها القوات الحكومية.
وربط رئيس مجلس القيادة التحرك العسكري بإعادة مؤسسات الدولة، ووجه الحكومة بإعداد برنامج يدخل حيز التنفيذ في المناطق المستعادة، ويشمل إعادة المؤسسات وصرف رواتب الموظفين ومعالجة المتأخرات، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية وتأهيل الطرق والكهرباء والمياه، إلى جانب تهيئة الظروف لعودة النازحين وإطلاق عمليات إعادة الإعمار.
وأكد العليمي كذلك استمرار الشراكة مع المملكة العربية السعودية وتحالف دعم الشرعية، وثمن دعم المملكة لأمن اليمن واستقراره، فيما دعا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته وعدم الوقوف متفرجا أمام تهديد الحوثيين لليمن والممرات المائية والملاحة الدولية.
استعادة الدولة
شكلت عبارة العليمي بأن المعركة لم تكن «لاستعادة الأرض فقط، بل لإعادة الدولة إليها» المفتاح السياسي الأبرز لقراءة الخطاب.
فالهدف الذي طرحه مجلس القيادة لم يتوقف عند استعادة المدن والمواقع العسكرية، وإنما امتد إلى إعادة المؤسسات الحكومية والسلطة الإدارية والخدمات إليها، في محاولة لتحويل أي تقدم ميداني إلى استعادة فعلية لسلطة الدولة.
وحملت هذه الصياغة رسالة إلى الحوثيين بأن المرحلة الجديدة لم تعد قائمة على احتواء توسعهم أو الاكتفاء بمنع سقوط مناطق إضافية، كما حملت رسالة إلى القوى اليمنية المناهضة للجماعة بأن العمليات يفترض أن تجري تحت مظلة الدولة وهدفها النهائي.
وفي الوقت نفسه، خاطبت الحكومة المجتمع الدولي باعتبارها السلطة المعترف بها دوليا والقادرة، وفق خطابها السياسي، على تقديم بديل مؤسسي في المناطق التي تستعيدها. صف واحد
ركز العليمي في خطابه على الجبهة الداخلية، ودعا القبائل والقوى السياسية والاجتماعية إلى الاصطفاف خلف القوات الحكومية.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية عسكرية وسياسية في آن واحد، إذ إن فتح عدة جبهات بصورة متزامنة يتطلب توحيد القرار والقيادة والإمداد، فيما يبقى تعدد القوى والتشكيلات العسكرية أحد أبرز التحديات التي تواجه المعسكر المناهض للحوثيين.
كما سعى الخطاب إلى الفصل بين الحوثيين وسكان المناطق الواقعة تحت سيطرتهم، عندما أكد أن المعركة ليست ضد صنعاء أو صعدة أو غيرهما من المحافظات، وإنما ضد الجماعة المسلحة ومشروعها.
وتعكس هذه الرسالة محاولة لمنع الحوثيين من إعادة تعريف الحرب باعتبارها مواجهة مناطقية أو مذهبية، ونقل الصراع بدلا من ذلك إلى معادلة سياسية تقوم على «الدولة في مواجهة الجماعة المسلحة».
المظلة السعودية
منح العليمي المملكة العربية السعودية مساحة واضحة في خطابه، وأكد أن الرياض ظلت شريكا أصيلا في أمن اليمن واستقراره، مثمنا دعمها للحكومة اليمنية.
وجاءت هذه الرسالة متقاطعة مع الموقف السعودي المعلن بشأن دعم الحكومة اليمنية ووحدة البلاد وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها والتصدي لاعتداءات الحوثيين.
ويكشف هذا التقاطع عن توافق سياسي في الهدف النهائي للمرحلة، يقوم على دعم مؤسسات الشرعية اليمنية واستعادة سلطة الدولة، بينما ظل تنفيذ العمليات تحت قيادة المؤسسات اليمنية.
وفي البعد الدولي، ربط العليمي العمليات بأمن الممرات المائية والتجارة الدولية، في رسالة استهدفت توسيع دائرة الاهتمام الدولي بما يجري في اليمن.
وأعاد هذا الربط باب المندب والبحر الأحمر إلى قلب المعادلة، إذ لم تعد سيطرة الحوثيين وعملياتهم تمثل قضية يمنية داخلية فقط، بل ارتبطت بصورة مباشرة بأمن الملاحة والمصالح الاقتصادية الدولية.
جبهات مشتعلة
ميدانيا، تزامن الخطاب مع عمليات عسكرية مكثفة على عدد من الجبهات.
وأعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 97 عملية استهداف في طور الباحة ومحور تعز، استخدمت فيها الطيران الحربي والطائرات المسيرة والمدفعية والصواريخ والقناصة.
وقالت القوات إن العمليات أسفرت، وفقا لحصيلتها المعلنة، عن تحييد 260 عنصرا حوثيا وتدمير أو إعطاب 44 آلية ووسيلة إمداد، وهي أرقام عسكرية حكومية لم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة.
وامتدت الضربات إلى أهداف ومواقع عسكرية للحوثيين في صنعاء وصعدة، ما أظهر أن نطاق العمليات تجاوز خطوط الاشتباك المباشر إلى استهداف مواقع في العمق.
الجوف ومأرب
وشهدت محافظة الجوف غارات مكثفة استهدفت مواقع وتجمعات حوثية، بينها أهداف في محيط مفرق الجوف والمحزمات، حيث استهدفت إحدى الضربات منصة لإطلاق الصواريخ.
كما طالت الضربات مواقع مراقبة وتمركز في الأقشع وسلسلة جبال الندر، ومعسكر اللبنات شرق الجوف ومواقع للحشد في صبرين ومرابض للمدفعية شمال شرقي مدينة الحزم.
وفي مأرب، تركزت العمليات على مديرية الجوبة والجبهات الجنوبية، واستهدفت مركز عمليات وسيطرة وتعزيزات ومواقع عسكرية حوثية.
وعكس توزيع الضربات بين الجوف ومأرب وتعز وصنعاء وصعدة اتجاها نحو الضغط على عدة محاور في وقت متزامن، بما حد من قدرة الحوثيين على تركيز قواتهم واحتياطياتهم في جبهة واحدة.
عقدة تعز
وظلت تعز إحدى أكثر الجبهات حساسية، ليس بسبب كثافة المواجهات فقط، وإنما لموقعها بين المرتفعات والساحل والطرق المؤدية جنوبا إلى لحج وعدن وغربا إلى المخا وباب المندب.
وسعت القوات الحكومية إلى تثبيت مواقعها وفتح مسارات للتقدم، فيما حاول الحوثيون الضغط على طرق الإمداد والسيطرة على المرتفعات والممرات الإستراتيجية.
ولهذا تجاوزت أهمية معركة تعز حدود المحافظة، إذ ارتبطت نتائجها بصورة مباشرة بالساحل الغربي وباب المندب، وبقدرة كل طرف على إعادة رسم خطوط القتال في جنوب غرب اليمن.
اختبار الميدان
وضع خطاب العليمي القوات الحكومية أمام اختبار عسكري وسياسي في آن واحد. فكثافة الضربات لم تكن كافية لتغيير موازين الحرب ما لم تتحول إلى تقدم بري، ثم إلى قدرة على تثبيت المواقع وتأمين طرق الإمداد وإدارة المناطق المستعادة.
وفي المقابل، امتلك الحوثيون خبرة طويلة في حرب الجبال والتحصينات والألغام والطائرات المسيرة والصواريخ، وهو ما جعل الانتقال من حرب المواقع إلى حرب الحركة أكثر تعقيدا من مجرد إعلان بدء العمليات.