لعل أعظم ما يغفل عنه العقل أنه لا يدرك الأشياء بما فيها، بل بما ينتهي عنده وجودها. فنحن لا نعرف البحر لأنه ماء، بل لأنه ينتهي عند اليابسة، ولا نعرف الليل لأنه ظلام، بل لأنه يبدأ حيث ينتهي النهار. وما من شيء في هذا الوجود إلا وحدوده أبلغ تعريفًا له من جوهره؛ إذ لولا الحد، لما انفصل شيء عن شيء، ولما أمكن للعقل أن يقول: هذا هو، وذلك غيره.

إن الوجود في أصله ليس كثرة أشياء، وإنما كثرة فواصل. فالكون لا يقوم على الموجودات وحدها، بل على المسافات التي تمنع الموجودات من الذوبان بعضها في بعض. ولو أزيلت الحدود بين الألوان، لما بقي لون، ولو ارتفعت الفواصل بين النغمات، لما بقي لحن، ولو انمحى الحد بين الكلمة والتي تليها، لما بقيت لغة، بل ضجيج لا يُفهم منه شيء.

ولهذا كانت الحدود نعمةً قبل أن تكون قيدًا. فالإنسان لا يملك بيته بالجدران، وإنما يملك به الحدود التي تميزه من غيره. والمدينة لا تقوم بكثرة بنائها، بل بما يفصل طرقها وأسواقها وبيوتها. وحتى الفكر، وهو أوسع ما في الإنسان، لا يستطيع أن يعمل إلا إذا رسم لكل معنى حدَّه، ولكل لفظ موضعه، وإلا تحولت المعرفة إلى سحابة لا تمطر.


غير أن الإنسان، منذ فجر وعيه، خاصم الحدود وظنها عدوة الحرية. فهو يريد بحرًا لا ساحل له، وسلطانًا لا يقيده قانون، ورغبةً لا يوقفها مانع، وعمرًا لا يعترضه موت. وما درى أن الأشياء إذا فقدت حدودها فقدت وجودها. فالنهر إذا خرج عن ضفتيه لم يعد نهرًا، بل فيضانًا، والنار إذا لم تجد ما يحصرها لم تعد دفئًا، بل حريقًا، والكلمة إذا لم يضبطها معناها لم تعد بيانًا، بل هذيانًا.

ولذلك كانت الحرية نفسها لا تعيش إلا داخل حدودها. فإن الحرية التي لا يحدها حق غيرها ليست حرية، وإنما فوضى متنكرة في ثوب جميل. والقوة التي لا يقف في وجهها قانون لا تلبث أن تأكل نفسها؛ لأن القوة إذا لم تجد من يقاومها، بدأت تقاوم صاحبها.

والعجيب أن الطبيعة أدركت هذه الحكمة قبل الإنسان بآلاف القرون. فهي لا تسمح لشيء أن يستبد. فالبحر يقف عند الرمل، والرمل يقف عند الجبل، والجبل يقف عند السماء. وكلما تجاوز شيءٌ حدَّه، أرسلت إليه الطبيعة ما يعيده إلى موضعه؛ كأن الوجود كله لا يحرسه إلا ميزان خفي، لا يرى الناس كفتيه، ولكنهم يرون آثاره في كل شيء.

ولعل مأساة الإنسان الكبرى أنه لا يثور على الحدود لأنها تضره، بل لأنها تذكره بأنه ليس مركز الكون. فهو يريد أن يكون استثناءً في عالمٍ بُني على القوانين، وأن يكون المطلق في كونٍ لا يعرف إلا النسب، وأن يعيش بلا نهاية في عالمٍ جعل النهاية شرطًا لكل بداية جديدة.

ولو أن الإنسان صالح الحدود بدل أن يحاربها، لأدرك أن الحدود ليست أسوارًا تمنع الحياة، وإنما هي القوالب التي تمنحها شكلها. فالكأس لا يحمل الماء إلا بجوانبه، والقصيدة لا تصبح قصيدة إلا بوزنها أو نظامها، والكوكب لا يبقى في السماء إلا لأنه لا يخرج عن مداره.

وهكذا يبدو أن أعظم أسرار الوجود ليس في الاتساع، بل في الانضباط؛ وليس في إزالة الحدود، بل في فهم حكمتها. فما من شيء اكتمل لأنه انفلت من حدوده، وإنما اكتمل لأنه عرف أين بدأ، وأين ينبغي له أن يقف.