تتلخص فكرة (القذف في العالم) أن الإنسان لم يختر وجوده ولم يوضع في العالم بمحض إرادته، بل يجد نفسه مرميا أو مقذوفا في واقع قائم دون طلب منه. وهي نفسها العقيدة الغنوصية التي تشتمل على رؤية أسطورية تعتبر وجود الروح في العالم المادي بمثابة سقوط أو هبوط قسري من عالم النور المطلق إلى عالم الظلام المادي.
الشرط الوجودي في كلا الفكرين يقوم على الاغتراب (Alienation). الكائن البشري عند الغنوصيين غريب عن هذا العالم المادي المظلم الذي بناه الصانع الخاطئ (Demurge) وعند هايدجر يتجلى الاغتراب في القلق الذي يجرد العالم من ألفته ويجعل الإنسان يشعر أنه ليس في بيته. عندما ينتقل الإنسان من الماهية إلى الوجود ويدخل عالم التجربة والوجود الفعلي يشعر بالتشتت والاغتراب عن أصله النوراني وهو ما يولد لديه القلق والقلق الوجودي.
هناك بنية أسطورية أو خرافية متدثرة بلغة فلسفية معقدة في أفكار هايدغر وتحديدا في طريقة توصيفه لمأزق الإنسان في العالم، رغم حرصه على صياغة مفاهيمه وأفكاره بلغة لا دينية. مفهوم السقوط أو القذف في العالم دون اختيار من الإنسان ليجد نفسه متورطا في عالم قائم بالفعل، عالم مظلم وعدمي وخالٍ من المعنى. نجد لها معادلا في التراث الغنوصي الذي يصور الروح بأنها كائن نوراني سقط أو ألقي به قسرا في عالم مظلم شيطاني وبشع دون رغبة أو علم بالمصير.
سقوط الروح في العالم المادي الذي تحكمه كائنات شريرة أشبه بالخديعة أو المصيدة التي تصنعها قوى العالم السفلي (الأراكنة) لإبقاء الروح في حالة نسيان وسبات عميق عبر الملهيات أو الوعي الزائف. وهايدغر يعتقد وجود الإنسان في هذا العالم غير أصيل حيث يستغرق في تفاصيل الحياة اليومية ومسايرة الثقافة السائدة مما يجعله ينسى حقيقة وجوده وحريته.
رغم تجرد هايدجر من اللاهوت الديني الصريح إلا أن تحليله للوجود يتبع مسارا يشبه الأساطير الغنوصية القديمة. إنسان مقذوف في عالم مادي خالٍ من المعنى لا يعرف مصيره، يغرق في سبات عميق وينساق وراء القطيع ويساير الثقافة السائدة أي السقوط في خدعة الأراكنة وعالم الـ(هم). ثم يأتي المحفز وهو الشعور بالقلق الوجودي والاغتراب والشعور بعبثية العالم، ثم يكون المخرج من خلال الاستبصار الباطني وفهم حقيقة الوجود المرعب.
مفهوم القلق الوجودي عند هايدجر ليس مجرد حالة نفسية عابرة أو اضطراب انفعالي، بل هو التجربة الوجودية الكاشفة التي تعري حقيقة الوجود الإنساني وتضع الإنسان أمام ماهيته العارية. القلق يشعره بالغربة وانهيار المعنى المألوف فيشعر الإنسان أنه مقذوف في عالم لا يقدم له أي ضمانات أو إجابات مسبقة. القلق الوجودي هنا أشبه بحالة الاستبصار الباطني والمعرفة السرية التي يقدمها التراث الغنوصي، ويمنح الإنسان الحرية والإحساس بالمسؤولية في عالم مادي مخادع وشرير.