لم تعد قيمة العقارات التجارية، خصوصاً المساحات المكتبية، ترتبط بالموقع والمساحة والمواصفات الفنية فقط، إذ تتجه السوق إلى تقييم الأصول وفق قدرتها على توفير بيئة عمل تلبي احتياجات الموظفين والشركات، من خلال المرونة وجودة التصميم والخدمات والتقنية ومساحات التعاون والتعلم.

وتدعم نتائج بحثية حديثة هذا التحول، إذ أظهر «المسح العالمي لبيئات العمل 2025» الصادر عن معهد «جينسلر للأبحاث» أن 14% فقط من الموظفين عالمياً يفضلون تجربة العمل المؤسسية التقليدية، في مؤشر على تغير تفضيلات مستخدمي المكاتب. وشملت الدراسة 16.809 موظفين بدوام كامل في 15 دولة.

2.5 مرة للإنتاجية


وأظهرت نتائج «جينسلر» أن الموظفين الذين يتمتعون بدرجة عالية من الخيارات في كيفية ومكان أداء العمل تزيد احتمالية اعتبارهم بيئة عملهم داعمة للإنتاجية الفردية والجماعية بنحو 2.5 مرة، كما تزيد احتمالية اعتبار المكتب مكاناً رائعاً للعمل بنحو 3 مرات.

ويمتد أثر بيئة العمل إلى ارتباط الموظف بمؤسسته؛ إذ تزيد احتمالية بقاء العاملين في بيئات العمل المتميزة مع شركاتهم بنحو 3 مرات، فيما قال 90% ممن يشعرون بالرضا عن مساحة عملهم إنهم يشعرون بالفخر بالعمل لدى شركاتهم، مقابل 47% بين الموظفين الأقل ارتباطاً ببيئة عملهم.

وتعكس هذه النتائج انتقال الاهتمام من «المكتب كمكان للعمل» إلى «المكتب كتجربة»، مع تزايد أهمية الخصوصية والمرونة وتنوع مساحات العمل والخدمات.

ثلثا الموظفين يعدّلون مساحات العمل

ويكشف «المسح العالمي لبيئات العمل 2026» عن استمرار الفجوة بين احتياجات الموظفين وتصميم بعض بيئات العمل، إذ أفاد نحو ثلثي الموظفين المكتبيين المشاركين بأنهم يضطرون إلى إجراء تعديلات أو حلول شخصية للتغلب على أوجه القصور في مساحات العمل، فيما لجأ واحد من كل أربعة موظفين إلى حلول ذاتية مرتبطة بعوامل مثل الراحة ودرجة الحرارة والخصوصية البصرية.

وشملت الدراسة 16.459 موظفاً مكتبياً بدوام كامل في 16 دولة، وأظهرت أن أنماط العمل استقرت نسبياً خلال السنوات الثلاث الماضية، في حين لم تواكب أماكن العمل بالقدر نفسه التغير في احتياجات المستخدمين.

الذكاء الاصطناعي يعيد توزيع الوقت

ولا يقتصر التغير على التصميم المادي، إذ بدأ الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل طريقة توزيع الموظفين لوقت العمل. ووفق «جينسلر 2026»، يقضي مستخدمو الذكاء الاصطناعي بكثافة 37% من أسبوع العمل في العمل الفردي، مقابل 42% لدى المتبنين المتأخرين، بينما يخصصون 12% للتعلم مقابل 8%، و11% للتواصل الاجتماعي مقابل 9%.

وتشير النتائج إلى أن توسع استخدام الذكاء الاصطناعي قد يعزز الحاجة إلى مساحات تدعم التعلم والتعاون والتواصل، مع انتقال بعض المهام الروتينية إلى الأدوات الرقمية.

الأصول الحديثة تتصدر الطلب

وتتزامن هذه التحولات مع تغيرات في سوق المكاتب السعودية. ووفق تقرير «JLL» للربع الأول من 2026، واصلت إيجارات المكاتب الرئيسية ومكاتب الفئة «A» في الرياض تسجيل نمو، مدفوعة بمحدودية المعروض وارتفاع الطلب، بينما شهدت جدة والمنطقة الحضرية للدمام استقراراً نسبياً.

ويشير التقرير إلى تزايد تفضيل الشركات للمشروعات المكتبية الحديثة التي توفر مرافق وخدمات متكاملة وتقع في مواقع إستراتيجية، بما يعمق الفجوة بين الأصول العقارية؛ إذ تحافظ المساحات الرئيسية والمباني الأحدث على علاوات سعرية، بينما تواجه المباني الأقدم ضغوطاً أكبر على الإشغال والأسعار.

وتكشف هذه الاتجاهات عن تحول تدريجي في محددات قيمة العقارات التجارية؛ فالموقع والمساحة والمواصفات تظل أساسية، لكنها لم تعد كافية وحدها لضمان جاذبية الأصل.

ومع تغير أنماط العمل وتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي، تتجه المنافسة نحو الأصول القادرة على الجمع بين جودة العقار وجودة التجربة، لتصبح تجربة المستخدم عاملاً متزايد الأهمية في تحديد جاذبية العقار وقدرته على المنافسة.