«معجزة حضرية وُلدت من العدم»؛ هكذا وصفت صحيفة "لو موند" الفرنسية العريقة شبكة النقل العام الجديدة في العاصمة السعودية، مؤكدةً أن الرياض نجحت في كسر القوالب التقليدية وبناء بنية تحتية ذكية من نقطة الصفر أذهلت المراقبين الدوليين.

وتحدثت الصحيفة في تقريرها المطول بإعجاب شديد عن هذا التحول التاريخي، مشيرةً إلى أن المدينة التي رُسمت معالمها لعقود طويلة لتخدم حركة المركبات الخاصة فقط، استطاعت في زمن قياسي إحداث ثورة ثقافية واجتماعية شاملة، جعلت ملايين السكان يتخلون عن سياراتهم لصالح شبكة حافلات ومترو فائقة الفخامة والتطور لتعيد صياغة مفهوم جودة الحياة الحضرية في الشرق الأوسط.

من نمط الحياة الأمريكي إلى ثورة النقل المستدام


وقد سلطت الصحيفة الضوء على الخلفية العمرانية لمدينة الرياض التي تأسست في السبعينيات على نظام الشبكة الحضرية المستوحى من النموذج الأمريكي حيث صُممت الطرق والمساحات الشاسعة لتخدم حركة السيارات بشكل أساسي ما جعل الاعتماد عليها مطلقاً طوال العقود الماضية.

ومع قفزات النمو السكاني الكبيرة والتوسع العمراني الأفقي المستمر، أصبح التحول نحو النقل المستدام ضرورة حتمية لا غنى عنها وهنا نجح المشروع في إحداث ثورة ثقافية واجتماعية لافتة حيث تقبل سكان الرياض الوسيلة الجديدة فوراً وبشكل غير مسبوق مما فاجأ الكثير من الخبراء الذين توقعوا مقاومة مجتمعية لتغيير عادات القيادة اليومية.

وتثبت بيانات الهيئة الملكية لمدينة الرياض نجاح هذه التجربة بشكل قاطع إذ نقلت شبكة الحافلات أكثر من 100 مليون راكب منذ انطلاقها في عام 2023، بينما استقبل المترو في عامه التشغيلي الأول وحده 162 مليون مسافر، وهو رقم ضخم يماثل حجم الإركاب السنوي لخطوط مترو عريقة في عواصم عالمية كبرى مثل الخط الرابع في شبكة مترو باريس.

أيقونات معمارية مكيفة تتحدى الصحراء

وأشادت الصحيفة الفرنسية بالهندسة الفاخرة والإعجاز المعماري الذي يمتزج بالرفاهية المطلقة في تصميم المحطات والقطارات، حيث صُممت المحطات بطريقة تجعل الراكب يشعر وكأنه يتجول داخل متحف أو مركز تجاري فاخر مغلق ومكيف بالكامل وهو أمر حيوي وحاسم في بيئة صحراوية.

وتبرز محطة مركز الملك عبدالله المالي كأيقونة معمارية مستقبلية صممتها المعمارية العالمية الراحلة زها حديد حيث تتقاطع فيها ثلاثة خطوط رئيسية وتزدان بمنحوتات فنية عالمية مذهلة كما تبرز محطة قصر الحكم التي تتميز بوجود دفيئة استوائية عبارة عن بيت زجاجي فريد على عمق 35 متراً تحت الأرض وتغطيها قبة ذهبية رائعة تسمح بمرور الضوء الطبيعي وتضفي لمسة جمالية ساحرة.

رفاهية تشغيلية تراعي الثقافة المحلية

ومن الناحية التشغيلية والاجتماعية أوضح التقرير أن القطارات المصنعة عبر شركتي أليستوم الفرنسية وسيمنز الألمانية اعتمدت تقسيماً داخلياً ذكياً يراعي الثقافة المحلية والخيارات الفردية المتنوعة للمجتمع، حيث تنقسم العربات إلى ثلاث فئات تبدأ بالدرجة الأولى التي تقع في مقدمة القطار وبأسعار تذاكر تبلغ حوالي يوروين وثلاثين سنتاً للرحلة الواحدة وتليها عربات العائلات المخصصة للنساء والأطفال والتي تقع في الوسط ويشترط لدخول الرجال فيها وجود رفقة عائلية وأخيراً عربات الأفراد المخصصة للرجال غير المصحوبين بعائلاتهم والتي تقع في الجزء الخلفي وتوفر خياراً اقتصادياً بتكلفة تبلغ تسعين سنتاً فقط للرحلة الواحدة مما يحقق توازناً ممتازاً بين المراعاة الثقافية والكفاءة التشغيلية لجميع فئات المجتمع.

عقول سعودية تدير الشبكة

ولم يقتصر المشروع على الجانب الخدمي البحت بل ركّز بشكل أساسي على نقل المعرفة وتطوير المهارات المحلية بالتعاون مع مشغلين دوليين بارزين وتفرض المملكة شروط سعودة صارمة بنسبة موظفين تصل إلى 70% من المواطنين السعوديين لضمان توطين هذه التكنولوجيا المعقدة وتخضع العقود التشغيلية لأكثر من 100 مؤشر أداء صارم تشمل النظافة والسلامة الفائقة وجودة التكييف والدقة المتناهية في المواعيد، وتصل الصرامة في المتابعة إلى حد تصعيد أي تأخير أو حادث تشغيلي يتجاوز 5 دقائق مباشرة إلى الديوان الملكي لضمان أعلى مستويات الكفاءة والالتزام ومراقبة الجودة بشكل مستمر.

وبذلك يمثل مترو وحافلات الرياض قصة نجاح باهرة في هندسة المدن الحديثة وتغيير سلوكيات الشعوب حيث أثبتت الأرقام المتصاعدة للإركاب، التي تجاوزت حاجز 200 مليون مسافر، أن البنية التحتية الممتازة والخدمة الفاخرة قادرة على تحويل الرياض إلى مدينة مستدامة تليق بطموحات رؤية المملكة المستقبلية لعام ألفين وثلاثين وما بعدها وتجعلها في مصاف العواصم العالمية الكبرى.