​ليس هناك ما هو أشد كلفة على أي مؤسسة أو منشأة من أن يستوي على عرش قيادتها من لا يملك من أدوات القيادة إلا المسمى الوظيفي. تجربة العمل تحت إدارة «المسؤول غير المؤهل» ليست مجرد معاناة يومية للموظفين، بل نزيف هادئ تُقتل فيه روح المبادرة، ويُدار فيه المشهد بكامله عبر مصادفات عابرة لا عن رؤية واضحة.

​تكمن الأزمة الكبرى في «عقدة الكرسي»؛ فالمسؤول الذي يدرك في قرارة نفسه ضآلة مؤهلاته مقارنة بالمنصب، غالبًا ما يتملكه خوف دائم من الكفاءات الحقيقية حوله. وبدلا من استثمار العقول الوطنية للنهوض بالمنظومة، يتحول إلى وضعية الدفاع؛ فيُهمّش المبدعين، ويُقرّب أصحاب الخضوع المطلق، وتُدار المؤسسة بمنطق «إثبات السلطة» لا «تحقيق الإنجاز».

​ولعلّ أشد مظاهر هذه العقدة مرارة، لجوء بعض هؤلاء المسؤولين إلى استقطاب الكفاءات الأجنبية وتفضيلها على «ابن البلد»، رغم تفوّق الشاب السعودي علمًا وثقافةً وكفاءة ميدانية وإدارية، ولكن هم في ذلك لا يبحثون عن الجودة، قدر ما يبحثون عن إمكانية استغلال «سقف الرواتب المنخفض» لبعض الأجانب، أو الهروب من مواجهة ابن الوطن المتمكن الذي قد يُعرّي ضعف المسؤول الإداري والمهني.


​هذا السلوك لا يكتفي بإحباط الشاب السعودي المبدع وزيادة همومه، بل يُفرز بيئة عمل عقيمة تُقاس فيها الكفاءة بمدى التكلفة المالية القليلة لا بقيمة الأثر. والنتيجة المحتومة هي تحول البيئة إلى طاردة للعقول الشابة الوطنية الأحقّ بفرص البناء والتطوير، خاصةً بالقطاع الخاص.

ركوب موجة المنصب دون امتلاك البوصلة يجعل القرارات متضاربة ومرهونة بالظروف. والرهان الحقيقي اليوم يتطلب تجريد «الكرسي» من هيبته الشكليّة، وإعادة الاعتبار لمعايير الأثر والنتائج، حتى لا تظل مقدرات العمل وطاقات أبناء الوطن، رهينة لصدفة وضعت الشخص غير المناسب في المكان الحساس.