تنهار المجتمعات سريعًا عندما يستقيل العقل من وظيفته الأساسية، وهي التساؤل؛ لأنه سيركن حينئذٍ إلى الإجابات الجاهزة، إذ تمنحه راحةً من عناء البحث، وتعفيه من مشقَّة الرحلة إلى الحقيقة. عندها يُصاب المجتمع بوباء الجمود الفكري، ويسقط في براثن الأيديولوجيات المغلقة.
وأعظم الأسئلة هي تلك التي لا إجابات لها؛ إذ تُبقي التفكير يعمل. لذلك يجب علينا أن نعلِّم أبناءنا كيف يسألون، لا كيف يجيبون؛ فالتساؤلات حياة، والإجابات موت. وهل غزى الإنسان الفضاء بغير تحريض السؤال؟! وهل تولد الحكمة من غير رحم التساؤل؟!
آفاق المعرفة مغلقة، ومفتاحها السؤال.
ذات يوم، وزع أينشتاين أوراق الامتحان على الطلبة، فقال أحد التلاميذ: «يا أستاذ، أليست هذه أسئلة العام الماضي نفسها؟».
فقال أينشتاين: «نعم، ولكن الإجابات تغيَّرت!».
ماذا يعني هذا؟
يعني أن الإجابات التي بحوزتنا الآن، حتمًا ولا بد، سيأتي يوم ونكتشف زيفها، وما من طريقة لاختبارها، وفحص مدى صمودها، سوى أن نطرح عليها الأسئلة المزعجة، ونقض مضجعها بسؤالٍ تلو آخر.
كل الاكتشافات العلمية العظمى، والأفكار الفلسفية الكبرى، بدأت بسؤال؛ ذلك أن التساؤل يكشف ما وراء الظواهر، وينقِّب عن جوهر الأشياء، ولا يكتفي بمعرفة القشور. كما أن له قدرةً عجيبة على زعزعة اليقين التقليدي، وكشف مواطن الجهل فيه.
التصديق السريع سذاجة، ولكن التكذيب السريع أيضًا سذاجة، وما من طريقة لتحصين الذات من الانزلاق إلى تلك الغباوات إلا أن نُعلِّم أنفسنا كيف نسأل، لا كيف نجيب، وتحديدًا تلك الأسئلة المفتوحة التي تبدأ بـ«كيف» و«لماذا»، والابتعاد عن الأسئلة الغبية التي لا تكون إجاباتها إلا «نعم» أو «لا».
وسأضرب مثالًا على إحدى طرق طرح الأسئلة. من الأسئلة التي تُفتِّق الذهن، وتفتح الباب أمام سلسلة من التساؤلات التي لا تنتهي، أن يجمع السؤال بين فكرتين متناقضتين في آنٍ واحد. فمثلًا في سؤال «التسامح والتعصب»: هل يتسامح المجتمع مع الأفراد المتعصبين الذين يعادون التسامح؟ تسامح المجتمع معهم، تركهم يدمرون فضيلة التسامح، وإن ضيَّق عليهم، أصبح المجتمع غير متسامح.
طرح مثل هذه الأسئلة يكشف التناقضات الداخلية في المفاهيم البشرية.
كما أننا لن نستطيع أن نفهم الطبيعة ما لم نفهم ما وراءها، ولا سبيل إلى بلوغ ذلك إلا بطرح الأسئلة التي تقودنا إلى العمق، وتكشف لنا الروابط الخفية بين عناصرها.
الإجابات النهائية موتٌ للعقل، حتى لو كانت صحيحة، أما الإجابات المفتوحة فهي حياة له، حتى لو كانت خاطئة؛ لأنها تُفضي إلى سؤال آخر.
ففي العصور الوسطى، حرَّمت الكنيسة السؤال، ورفعت شعارها الشهير: «أطفئ مصباح عقلك واتَّبِعْنِي». وكانت النتيجة أن غرقت أوروبا في عصور الظلام، وسقطت في غياهب الجهل، وتهاوت في ظلمات الخرافة.
فلا تخف من السؤال، وإنما خف من عدم السؤال.