وجاء نظام حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ليعكس هذا التحول، ويؤكد حماية حقوقهم وضمان حصولهم على الخدمات المختلفة، بالتوازي مع تطور البرامج والمبادرات والتنظيمات التي تستهدف تمكينهم ورفع جودة حياتهم.
فالأنظمة المتقدمة وحدها لا تكفي إذا لم يكن من سيطبقها مؤهلاً لحمل المسؤولية التي وضعت من أجلها. ولعل هذا يظهر بأوضح صورة في واحد من أكثر مجالات الرعاية الاجتماعية حساسية وهي الإيواء الاجتماعي للأشخاص ذوي الإعاقة.
فحين تمنح جهة ما الحق في رعاية أشخاص يقيمون لديها على مدار الساعة، فنحن لا نتحدث عن ترخيص لنشاط تجاري اعتيادي، بل عن ائتمان جهة على حياة إنسان قد يعتمد عليها في غذائه ودوائه وحركته ونظافته وسلامته، وقد لا يستطيع بعض المستفيدين حتى التعبير عن الألم أو الشكوى أو طلب النجدة.
ومن هنا أعتقد أن السؤال قبل إسناد مثل هذه الخدمات لا ينبغي أن يكون فقط هل استوفت المنشأة شروط الترخيص؟ بل يجب أن يسبقه سؤال أصعب وهو هل نأتمن هذه الجهة على الإنسان؟
فالقدرة على إنشاء دار للإيواء لا تعني بالضرورة القدرة على إدارتها، كما أن استيفاء الاشتراطات الإدارية والفنية لا يكفي وحده للحكم على قدرة المنشأة على رعاية عشرات أو مئات المستفيدين أربعاً وعشرين ساعة في اليوم.
قد يكون المبنى ممتازاً، والغرف مجهزة، ومخارج الطوارئ مستوفاة، والسياسات مكتوبة بعناية، والهيكل التنظيمي موجوداً، والأسماء المطلوبة موجودة على الورق. لكن ماذا سيحدث عند الثانية صباحاً عندما يتعرض أحد المستفيدين لنوبة تشنج، ويتزامن ذلك مع حالة اختناق لمستفيد آخر، بينما يحتاج ثالث إلى مساعدة كاملة في الحركة؟
ربما نحتاج إلى إعادة التفكير في المعايير التي نحدد من خلالها أهلية مقدم خدمات الإيواء. فالملاءة المالية مهمة، والمبنى مهم، والتجهيزات مهمة، واستيفاء المتطلبات النظامية أمر لا يمكن التهاون فيه؛ لكنها جميعاً تمثل جزءاً من الصورة وليست الصورة كاملة.
هناك أسئلة أخرى لا تقل أهمية، ما خبرة الجهة في إدارة هذا النوع من الخدمات؟ من يقود المنشأة؟
ما خبرة قياداتها في الرعاية الصحية والاجتماعية؟ ما مستوى الحوكمة لديها؟ هل لديها نظام حقيقي لإدارة المخاطر وسلامة المستفيدين؟ هل كوادرها مستقرة أم تتغير باستمرار؟ ما قدرتها على استقطاب الممرضين والأخصائيين ومقدمي الرعاية والاحتفاظ بهم؟
كيف ستتعامل مع الأخطاء الدوائية والسقوط والاختناق والعدوى وقرح الضغط والطوارئ؟ وهل تمتلك ثقافة مؤسسية تجعل سلامة المستفيد مقدمة على الاعتبارات المالية والتشغيلية؟
هذه ليست تفاصيل إدارية، هذه هي الخدمة نفسها.
ولهذا فإن الحرص الشديد في اختيار الجهات المؤهلة لتقديم خدمات الإيواء لا ينبغي النظر إليه باعتباره تعقيداً للإجراءات أو عائقاً أمام الاستثمار، بل حماية للمستفيد، وللقطاع نفسه وللدولة التي لم تترك تشريعاً وتنظيماً يخدم هذه الفئة إلا واعتمدته بما يتناسب مع طموحها نحو تجويد حياة الأشخاص ذوي الإعاقة.
فالمشكلة التي يجب أن نحذر منها في أي منظومة إيوائية هي أن يتحول الحصول على الترخيص إلى شهادة ضمنية بأن المنشأة أصبحت قادرة على العمل بطاقتها الكاملة. هناك فرق بين صلاحية المكان وكفاءة التشغيل.
منشأة مصممة لاستيعاب مئات المستفيدين قد تستوفي المتطلبات الإنشائية، لكن قدرتها على إدارة هذا العدد بأمان لا يمكن إثباتها قبل أن تبدأ بالتشغيل الفعلي. ولهذا ربما يكون من المناسب التفكير بصورة أوسع في مفهوم التشغيل المرحلي.
تبدأ المنشأة بعدد محدود من المستفيدين، ثم ترتفع طاقتها تدريجياً بعد إثبات قدرتها التشغيلية ونجاحها في مؤشرات محددة للسلامة والجودة. فليس المهم كم سريراً يستطيع المبنى استيعابه. بل المهم كم إنساناً تستطيع المنظومة أن ترعاه بأمان.
قرحة الضغط قد تبدأ بتغير بسيط في الجلد، ثم تتحول مع ضعف المتابعة إلى إصابة عميقة ومضاعفات خطيرة. والخطأ الدوائي قد يبدأ بجرعة واحدة، والاختناق قد يحدث أثناء وجبة عادية، والسقوط قد يستغرق ثواني. أما العدوى، ففي بيئة يعيش فيها عدد كبير من الأشخاص، قد تتحول إصابة محدودة إلى مشكلة أوسع إذا لم تكن منظومة مكافحة العدوى فعالة.
لهذا فإن جودة دور الإيواء يجب ألا تقاس بعدد السياسات الموجودة في الملفات، وإنما بما يحدث للمستفيدين بالفعل. ولا يكفي وجود سياسة لمنع قرح الضغط، بل يجب قياس عدد الحالات التي ظهرت بعد دخول المستفيد إلى المنشأة، ومدى إمكانية منعها.
ولا يكفي وجود طبيب أو ممرض أو أخصائي في الهيكل التنظيمي، بل يجب معرفة التغطية الفعلية على مدار الساعة، ونسبة الكادر إلى المستفيدين، ومعدل دوران الموظفين، ومستوى تدريبهم وقدرتهم على التعامل مع الحالات الموجودة فعلاً.
ومن هنا تأتي أهمية الرقابة المستمرة بعد الترخيص. بل إن الزيارات المفاجئة قد تكون أكثر قيمة من الزيارات المعلنة؛ لأن أفضل وقت لمعرفة حقيقة منشأة إيوائية ليس بالضرورة صباح اليوم الذي تعلم فيه الإدارة أن لجنة ستصل بعد ساعات. زيارة في نهاية الأسبوع، أو في مناوبة ليلية، قد تخبرنا عن حقيقة التشغيل أكثر مما تخبرنا به عشرات النماذج.
ويمكن أن تتطور الرقابة أكثر عندما تعتمد على مؤشرات أداء واضحة ومستمرة: معدلات السقوط، وقرح الضغط، والأخطاء الدوائية، والعدوى، والتحويلات غير المخطط لها إلى المستشفيات، والحوادث الجسيمة، والشكاوى، ومعدل دوران العاملين، وغيرها من المؤشرات التي ترسم صورة أقرب إلى الحقيقة.
فالهدف ليس البحث عن الخطأ لمعاقبة المنشأة بل الهدف أن نكتشف الخلل قبل أن يدفع إنسان ثمنه.
أما بعض الأشخاص المقيمين في دور الإيواء، فقد لا يستطيع أحدهم أن يخبر أسرته أنه لم يحصل على دوائه، أو أنه يتألم، أو أن أحداً أهمل تغيير وضعيته، أو أنه تعرض لمعاملة غير مناسبة. وحين لا يستطيع المستفيد أن يكون صوته بنفسه، يصبح واجب المنظومة أن تكون صوته.
ولهذا ربما حان الوقت لأن ينتقل السؤال في الإيواء الاجتماعي من: هل استوفت المنشأة المتطلبات؟ إلى:
ماذا حدث للإنسان بعد أن دخلها؟ هل تحسنت جودة حياته؟ هل حصل على الرعاية والتأهيل اللذين يحتاجهما؟ هل كان آمناً؟ هل حُفظت كرامته؟ وهل أصبح أفضل حالاً مما كان عليه قبل دخوله؟هذه الأسئلة أصعب من مراجعة الملفات، لكنها في النهاية هي التي تحدد نجاح الخدمة من فشلها.
لقد قطعت المملكة شوطاً مهماً في تطوير حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والمحافظة على هذا المنجز لا تتوقف عند إصدار الأنظمة أو التوسع في الخدمات، بل تمتد إلى حسن اختيار من نأتمنه على تنفيذها، ثم مراقبة ما يقدمه بعد ذلك. فالترخيص وثيقة تسمح للمنشأة بفتح أبوابها أما الثقة، فيجب أن تكتسبها كل يوم لأن الخطأ في كثير من القطاعات يمكن إصلاحه، والخسارة يمكن تعويضها. أما في الإيواء الاجتماعي، فقد يكون ثمن الخطأ إنساناً لم يستطع حتى أن يخبرنا أنه كان في خطر.