في زمانٍ أضحت فيه المتغيرات الاجتماعية تسابق العصر، تقف السُّلُوم -وهي الأعراف والعادات الشعبية الأصيلة التي توارثتها الأجيال- كجسرٍ متين يصل الماضي بالحاضر. غير أنَّ حكمة العصر لا تعني إلغاء هذا التراث، بل تقتضي «تجديد خطابه» وتطوير ممارساته بما يتناسب مع نضج المجتمع وتطور أسلوب الحياة، دون المساس بأساسه المتين القائم على الكرم والشرف والاحتفاء بالضيف.

التأمل في تحول بعض هذه السلوم يُظهر كيف ارتقت المفاهيم من مجرد أشكال ظاهرية أو مشقات قديمة إلى سلوكيات أكثر حُبًّا وأعمق تقديرًا.

انتشر في بعض الأعراف السَّلَم السائد بالتزام المصافحة المطولة وتقبيل الجميع عند دخول المجلس، وتكرار السلام في أثنائه، مما يُحدث إرباكًا ويقطع حبل الحديث، فضلا عن إرهاق الحاضرين والداخل. والتجديد الحقيقي يكمن في الاقتداء بالسنة النبوية الشريفة؛ إذ ثبت عن النبي ﷺ أنه لم يكن يصافح بيديه كل شخص عند دخوله كل مجلس، بل كان يكتفي بالسلام الشفهي العام عند القدوِم والجلوس حيث ينتهي به المجلس دون المرور لمصافحة الحاضرين رجلًا رجلًا. فتجديد الخطاب يُرسخ أصل السنة بأن السلام لفظٌ عام يجمع المجلس بالبشر والترحيب الصادق، وأن المصافحة المحمودة تكون عند اللقاء الفردي، تجنيبًا للتكلف والإحراج.


قديمًا، كان المضيف وأهل بيته يمتنعون عن مشاركة الضيف مائدته، يمرؤون له الطعام ويتنحّون إكرامًا له ليتناول كفايته دون إحراج. أما اليوم، فقد تجدد هذا السَّلَم ليصبح إكرام الضيف في مشاركته الطعام والممالحة على المائدة؛ إذ أصبحت مؤانسة الضيف والجلوس معه على مائدة واحدة هي أرفع درجات الترحيب، وأبلغ دليل على رفع التكلف وإشاعة الدفء والمودة في المجلس.

كان السَّلَم السائد في السابق يقضي ببدء تقديم الفنجال للضيف مباشرة دون سواه. بينما تجدد هذا العرف في التقاليد المشرّفة ليعزز أدب برّ الوالدين؛ إذ يُبدأ اليوم بتقديم الفنجال للوالد أولًا، في إشارة توقيرٍ وإجلال لمكانه، ليتولى الوالد بدوره بفضل حكْمته توجيه صباب القهوة قائلا: «صُبَّ للضيف أولًا». وبذلك يجمع المجلس بين برّ الوالد في الابتداء، وإكرام الضيف في التوجيه.

كان الضيف قديمًا يخضع كليًّا لحكم مضيفه وسَلَمه طيلة فترة إقامته. غير أنَّ تجديد الخطاب السلمي اليوم أصبح يعتمد على احترام سَلَم الجميع وتنوع عاداتهم؛ فلكلّ قادمٍ سَلَمُه وتقديره، والمضيف الواعي هو من يتسع صدره لاختلاف العادات، ويمنح ضيفه المساحة ليكون على سجيته دون فرضٍ أو إحراج.

كان الإصرار الزائد والتحليف بالأيمان القاطعة والتطليق لتناول القهوة أو الطعام يُعدّ مظهرًا من مظاهر التمسك بالضيف، إلا أن تجديد العرف اليوم يميل نحو المرونة والأدب العالي؛ بترك الإلحاح الحرج، واعتماد الترحيب الطيب الذي يريح الضيف ويمنحه حرية التصرف دون ضغط أو إحراج.

ارتبط الكرم قديمًا بتقديم الموائد العظيمة والذبائح المتعددة. غير أن التجديد المحمود اليوم يجعل الكرم مقترنًا بحسن الاستقبال وطيب النفس والاعتدال؛ بعيدًا عن التكلف والإسراف والمباهاة التي تُثقل كاهل المضيف وتؤدي إلى هدر النعم، مصداقًا لتوجيه الشريعة.

اشتراط الشكليات والتكاليف المادية المبالغ فيها في تفاصيل الأعراس أضحى عائقًا يرهق الشباب في مقتبل حياتهم. والتجديد الحقيقي للخطاب السلمي هو جعل التيسير والبساطة في التأسيس هو السَّلَم المحمود والمفتخر به بين العوائل والأسر الأصيلة.

كانت الزيارات المفتوحة دون موعد هي الأصل لقلة وسائل التواصل وسهولة الحياة قديمًا. أما اليوم، فمع تعقد المسؤوليات ونشاطات الحياة اليومية، أصبحت مراعاة وقت المضيف والاستئذان المسبق من تمام الذوق والسَّلَم الراقي، كي تظل الزيارات مصدر أُنسٍ ولا تتحول إلى عبء.

كان السَّلَم يقضي قديمًا بإلزام الشباب والأطفال بالصمت التام والتهميش الكامل داخل المجلس وعدم الحديث نهائيًا. والتجديد العرفي الواعي يرى في المجلس مدرسةً لبناء الشخصية؛ عبر إعطاء الناشئة المساحة المناسبة للاستماع والمشاركة بأدب، وتعليمهم فنون الحديث والإصغاء، ليكونوا امتدادًا أصيلًا لقيم آبائهم بدلًا من مجرد متلقين صامتين.

شهدت بعض العادات تدقيقًا شديدًا على الزلات العفوية وتأويلها كتقصيرٍ يُطالب فيه بـ«حق الرفيق» أو الترضية. إن التجديد السامي لهذا السَّلَم يقوم على إحياء شيمة التغافل وتلمس السبعين عذرًا؛ فالرفاقة الأصيلة لا تُقاس بالوقوف عند كل هفوة، بل بالاتساع والتجاوز، وجعل سلامة الصدور هي الأعراف الحاكمة بين الأقارب والأصدقاء.

جرت العادة لدى البعض على طرح الشفاعات أو طلب النوايا والجاهيات فجأة أمام الحضور في المجالس العامة، مما يضع المضيف أو أصحاب العلاقة تحت ضغط الحياء والإحراج الاجتماعي. والتجديد المأمول يقتضي اعتماد الطرق الخاصة والمباشرة بكل احترام وتقدير، صيانةً لكرامة جميع الأطراف واحترامًا لحرمة المجلس العام.

الهدف الأساسي من تجديد الخطاب السُّلُمي هو تهذيب الممارسات والأعراف الشعبية وتنقيتها مما شابها من تكلف أو إسراف أو إحراج اجتماعي، وجعلها متوازنة مع متطلبات العصر ونضج المجتمع، مع الحفاظ على جوهر القيم الأصيلة كالكرم والشهامة والترابط. ويهدف هذا التجديد إلى تيسير حياة الناس، ورفع المشقة عن كواهلهم، وتثبيت أصل السنة النبوية الشريفة والقيم الإسلامية فوق أي عرف اجتهادي.

ترتكز فلسفة تجديد السلوم على حقيقة تاريخية واجتماعية جوهرية؛ وهي أننا اليوم -ولله الحمد والمنة- ننعم في نعمة عظيمة من الله، وفضلٍ وفير، وأمنٍ وأمان، ورغد عيش، وانتشار للعلم والوعي الديني.

فمعظم السلوم والعادات المشددة التي تشكّلت قديمًا إنما نبعت من ظروف استثنائية في الماضي.

وجماع القول؛ إن الأعراف وُجدت لتسديد حياة الناس وإشاعة الفضيلة بينهم، لا لتثقل كواهلهم. وتجديد الخطاب السُّلُمي هو التوازن الذكي بين وفاءٍ للماضي وتيسيرٍ للحاضر؛ لتبقى قيم آبائنا شعلةً مضيئة تُورَث، وممارسةً حضارية يُفتخر بها.