في أبريل من عام 1983، أصدرت اللجنة الوطنية للتميز في التعليم في الولايات المتحدة تقريرها الشهير «أمة معرضة للخطر: ضرورة الإصلاح التعليمي» (A Nation at Risk)، والذي تسلّمه الرئيس رونالد ريغان كإحدى العلامات الفارقة في تاريخ الإصلاح التعليمي الحديث. لم يجامل التقرير أحدًا، ولم يحاول تجميل الأرقام، بل أعلن بوضوح أن الأسس التعليمية للمجتمع تتآكل بفعل ما وصفه بـ«مدّ متصاعد من التوسط»، محذرًا من أن ضعف التعليم يمتد أثره إلى الاقتصاد والعلوم والتقنية وقدرة الدولة على المنافسة.

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم بشجاعة: هل نحتاج نحن أيضًا إلى وقفة وطنية صريحة مع واقع تعليمنا العام؟

ليس المقصود من هذا السؤال جلد الذات أو إنكار ما بُذل من جهود وإنفاق ومشروعات تطويرية؛ فهناك جوانب تحسن وإنجازات موثقة ينبغي الاعتراف بها. لكن الاعتراف بالمنجز لا يجوز أن يمنعنا من رؤية مواطن الخلل، فالتعليم من القطاعات التي تكون فيها المجاملة شديدة الكلفة، لأن الخطأ الذي يقع اليوم في الصف الدراسي قد لا تظهر نتائجه الكاملة إلا بعد عقود.


ولدينا مؤشرات تستحق التوقف الجاد؛ ففي نتائج اختبارات PISA الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 2022 (OECD)، أظهرت البيانات أن أداء الطلاب في مهارات الرياضيات والقراءة والعلوم لا يزال دون المتوسط الدولي. وعلى الرغم من تسجيل تحسن نسبي في بعض المعايير مقارنة بالدورات السابقة، إلا أن نسبة الطلاب الذين بلغوا الحد الأدنى من الكفاءة (المستوى الثاني فأعلى) لم تتجاوز النصف في المهارات الأساسية. هذه الأرقام لا تعني أن منظومتنا عاجزة، لكنها مؤشر علمي لا يصح تجاهله أو التقليل من دلالته.

وما يثير القلق بصورة أكبر هو ما يلمسه الميدان التعليمي والأسر من تفاوت واضح بين المدارس، ومن وجود طلاب يصلون إلى مراحل متقدمة وهم يعانون ضعفًا في مهارات أساسية: القراءة، والكتابة، والحساب، والتفكير التحليلي. وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما قيمة الشهادة إذا لم تعكس معرفة ومهارة حقيقية؟

الإصلاح الشامل يستدعي معالجة ثلاث ركائز أساسية:

حوكمة التعليم الأهلي: فالاستثمار في هذا القطاع مشروع ومهم، والربحية حق للمستثمر، لكنها لا ينبغي أن تتحقق على حساب كفاءة المعلم أو جودة التدريس. يقتضي الأمر رقابة صارمة على آليات الترخيص، والتوظيف، والتأكد من التزام الإدارات المدرسية بالأنظمة وتطبيق معايير الجودة والتخصص دون استثناء.

كفاءة التخصص والتمكين: المعلم هو المحرك الأساسي للعملية التعليمية، ولا ينبغي أن تكون المرونة في سد الاحتياج بابًا لأن يدرّس المعلم مادة خارج نطاق تأهيله. العبرة ليست بوجود معلم أمام الفصل، بل بوجود المعلم المناسب في المكان المناسب.

التركيز على مخرجات التعلم: لا تُحل المشكلات بكثرة اللوائح أو تغيير المسميات، بل بقياس المخرجات الفعلية: ماذا يستطيع الطالب أن يقرأ ويحسب ويحلل عند نهاية كل مرحلة؟

نحن بحاجة إلى مراجعة مستقلة تقيس الواقع بشفافية، وتنشر النتائج، وتضع مؤشرات أداء معلنة تتناول: جودة التأسيس في الصفوف المبكرة، ومطابقة تخصصات المعلمين، وفعالية القيادات المدرسية، وربط تراخيص المدارس الأهلية بمخرجات طلابها.

التعليم ليس قطاعًا خدميًا عاديًا يمكن احتمال ضعف أدائه؛ فكل عام دراسي يمر بتعليم ضعيف هو جزء غير مسترد من عمر الجيل. وحين نتحدث عن قوة الدول، يقف الإنسان المتعلم خلف الاقتصاد والتقنية والصناعة. فالفصل الدراسي هو خط الدفاع الأول عن مستقبل الوطن.

لا نحتاج إلى تقرير يخبرنا بأننا في خطر، بقدر ما نحتاج إلى ثقافة مؤسسية تعتبر أي ضعف في تعليم أبنائنا خطرًا يستحق التحرك العاجل؛ فالأوطان لا تبدأ نهضتها من المصانع والمباني، بل من عقل طفل يتعلم اليوم كيف يقرأ، وكيف يفكر، وكيف يصنع غدًا أفضل.