في الثالث من سبتمبر 2026، تجمع مئات المحتجين أمام البرلمان الاسكتلندي في إدنبره، مطالبين بوقف مؤقت للتوسع في بناء مراكز البيانات العملاقة. وهذه المرة لم تكن مخاوفهم من أن تنتزع الآلة وظائفهم، أو أن يتفوق ذكاؤها على الإنسان، بل من شيء أكثر مادية: الكهرباء والماء والأرض والبيئة. فاسكتلندا أمام عدد من المشروعات الجديدة، بعضها فائق الضخامة، لذلك يرى المعترضون أن التوسع يجب أن تسبقه دراسات مكتملة لآثاره على المجتمعات والموارد.

لم تتجاهل الحكومة هذه المخاوف؛ بل شددت مراقبتها للمشروعات الكبرى وطلبت تقييمات بيئية لبعضها، لكنها لم تستجب لمطلب وقفها، معتبرة أن مراكز البيانات أصبحت جزءًا من البنية الأساسية للاقتصاد الرقمي، وأن المطلوب هو رفع كفاءتها وتقليل استهلاكها للماء والطاقة والاعتماد بصورة أكبر على المصادر المتجددة.

هنا ربما يكون الطرفان على حق. لأن العالم الذي يتسابق إلى امتلاك الذكاء الاصطناعي بدأ يكتشف متأخرًا أن لهذا الذكاء جسدًا. وأن الحصول على إجابة لسؤال بسيط نكتبه على الشاشة تعني تشغيل خوادم ورقائق وشبكات كهرباء وأنظمة تبريد وكابلات ومبانٍ ضخمة. أي إن ما نسميه «السحابة» هو في الواقع ليس معلقًا في السماء، بل يعيش معنا على الأرض، يستهلك مواردنا ويحتاج إلى بنية تحتية تتسع كلما اتسعت قدراته.


أهمية الاحتجاجات الاسكتلندية تتجاوز حدود اسكتلندا. فهي تطرح سؤالًا وجوديًا مهمًا: ماذا سيحدث عندما تصبح قدرة الدول على تغذية «جسد الذكاء الاصطناعي» شرطًا لقدرتها على امتلاك عقله؟

عرف التاريخ تفاوتًا بين الدول التي امتلكت الأرض، ثم المصانع، ثم النفط ورأس المال والتكنولوجيا. وقد نكون اليوم أمام طبقة جديدة من هذا التفاوت؛ دول تستطيع توفير الطاقة ومراكز البيانات والتمويل اللازم لتشغيل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، وأخرى تعتمد على استخدام ما يبنيه الآخرون. وكأننا أمام شكل جديد من الطبقية العالمية، إذ لا يتعلق الأمر بامتلاك واستخدام التقنية، بل بالقدرة المادية على إبقائها حية.

السؤال الأهم هو كيف سيتشكل العالم مستقبلًا حول هذه الفجوة الرقمية؟ بين الدول التي تملك الذكاء الاصطناعي والدول التي تستخدمه فقط؟

هنا لا نتحدث عن مشهد يشبه ما صنعته الفجوة الصناعية التي قسمت العالم إلى منتجين ومستهلكين، بل نتحدث عن اختلاف جذري يغير كل شيء تقريبًا. والفجوة الرقمية المقصودة ليست مجرد اختلاف في سرعة الإنترنت أو عدد الأجهزة أو التطبيقات، بل تفاوت في القدرة على المعرفة والقرار واكتشاف الثروات وصناعة السياسات وافتعال الحروب، هو تفاوت في فرص الحياة نفسها.

الواقع أن المخاوف البيئية التي رفعتها احتجاجات إدنبره هي جزء من معضلة أكبر. فكيف يمكن تجاهل استهلاك الماء والطاقة والأرض باسم التقدم؟ كما أن إيقاف البنية التي سيقوم عليها اقتصاد المستقبل ليس حلًا واقعيًا. بعبارة أخرى كيف نستفيد من التقنية دون هدر الموارد؟ وهل يمكن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لتعويض المهدر؟

ربما تحتاج الدول للتفكير في الطاقة والمياه ومراكز البيانات والرقائق وشبكات الاتصال كمكونات في بنية سيادية واحدة. وليس كملفات خدمية منفصلة.

تكتسب احتجاجات إدنبره أهميتها من كونها حالة كاشفة مختلفة. ففي الوقت الذي انشغل الإنسان فيه بالسؤال عما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح أذكى منه أو يحل محله، كانت الاحتجاجات تطرح تساؤلات أكثر إلحاحًا: من سيتمكن أصلًا من تحمل كلفة هذا الذكاء؟ ولصالح من سيعمل؟ وكيف سيكون شكل الاختلاف العالمي بين دول تستطيع إطعام جسد الذكاء الاصطناعي، ودول أخرى لا تستطيع.