ولعل محافظة النماص تقدم قصة تختصر هذا التحدي. فبين مرتفعات السراة وتهامة كانت عقبة سنان طريقًا شديد الوعورة والانحدار، حتى وُصفت بأنها من أصعب العقبات الجبلية في المملكة. واجه تنفيذ تطويرها صخورًا صلبة وسيولًا وأمطارًا وجسرًا على وادي خاط، واضطر العاملون في بعض المواقع إلى استخدام التفجير لإزالة الصخور.
لكن القصة لم تتوقف عند التغلب على صعوبة الطريق القديم. فقد جاء مشروع عقبة التوحيد ليربط سراة النماص بالمجاردة في تهامة بطول 19.5 كيلومترًا. والمفارقة الجميلة هنا أن الطريق الجديد لم يكن مجرد تحسين لمسار جبلي بل اختصار حقيقي للمسافة والزمن فهو يخدم نحو 22 ألف مركبة شهريًا، وأسهم في تقليص زمن الرحلة من قرابة ساعة وربع إلى أقل من 30 دقيقة. أما الباحة نرى حجمًا آخر من التحدي؛ فعقبة الملك فهد تمتد لنحو 46 كيلومترًا، ويتخللها 25 نفقًا و62 جسرًا، وبلغت تكلفة إنشائها قرابة 600 مليون ريال.
لكن قيمة هذه الجهود لا ينبغي أن تقاس بالكيلومترات وملايين الريالات وحدها. فكل دقيقة اختُصرت في طريق جبلي تعني وصولًا أسرع إلى مستشفى، أو سوق، أو مدرسة، أو وجهة سياحية. وكل عقبة آمنة تعني أن الجبل أصبح أقل عزلة وأكثر اتصالًا بمحيطه.
واللافت أن مواجهة الجبل دخلت مرحلة جديدة مرحلة التقنية الذكية. ففي عقبة الهدا بالطائف، جُرّب نظام يستخدم 6 كاميرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لرصد تساقط الصخور، مع إرسال إشارة لإغلاق الطريق خلال 60 ثانية من رصد حركة الصخور. وهنا أرى أن المستقبل لا ينبغي أن يكون مجرد شق طرق جديدة، بل بناء منظومة متكاملة لإدارة مخاطر الجبال: رصد الانهيارات، توقع السيول، حماية المنحدرات، وربط العقبات بمراكز التحكم والطوارئ. وفي الوقت نفسه، يمكن تحويل بعض هذه الطرق إلى وجهات سياحية، بمنصات مشاهدة واستراحات آمنة توثق تاريخها الهندسي وتستثمر جمالها الطبيعي.
فالإنصاف الحقيقي للجهد السعودي لا يكون بمجرد القول إن المملكة بنت طرقًا كثيرة، بل بفهم ما تعنيه هذه الطرق. ففي النماص، لم يكن الطريق مجرد وسيلة للنزول من الجبل، كان وسيلة لفتح الجبل على تهامة، وفتح تهامة على السراة. وهذه، في جوهرها، ليست قصة إسفلت فقط إنها قصة دولة قررت أن تجعل من الجغرافيا الصعبة فرصة للتنمية.