والواقعية هنا ليست براغماتية باردة، ولا تحررًا من القيم، كما أنها ليست قبولًا بالعالم والعجز عن تغييره. إنها وعي دقيق بالغاية والقدرة والظرف: ما الذي يخدم المملكة؟ وما الأدوات المتاحة؟ ومتى يكون التقدم، أو التريث، أو التفاوض، أو الحزم هو القرار الأجدى؟ وإذا كانت جرأة القرار تظهر في لحظة الفعل، فإن الواقعية هي البنية الفكرية التي تحدد ما القرار، ومتى يتخذ، ولأي غاية.
ولم تولد هذه السياسة من فراغ. فمنذ عهد الملك الموحد عبدالعزيز، قامت علاقات المملكة الخارجية على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها، وحسن الجوار، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، والجديد في فكر سمو الأمير ليس نقض هذا الإرث، بل تكثيفه وإعادة تشغيله في عالم تعددت أقطابه وتبدلت موازين القوة فيه، فالاستمرار لا يعني تكرار الأدوات، والوفاء للمبدأ لا يقتضي الجمود عند صورة واحدة من صور تطبيقه.
وقد استشهد الكاتب نبيل علي صالح، في مقاله «مونتسكيو مهندس الدولة الحديثة» المنشور في صحيفة الوطن، بقول مونتسكيو: «أنا فرنسي بالمصادفة، ولكنني إنسان بالضرورة»، ورأى فيه تجاوزًا للوطنية الضيقة نحو المواطنة العالمية، وفي سياق العبارة الكامل، يقول مونتسكيو إنه لن يقترح على أميره ما ينفع أمته إذا كان خرابًا لأمة أخرى؛ فهو لا يلغي الوطن، وإنما يرتب الواجبات الأخلاقية حين تتعارض، ويجعل الانتماء الإنساني حدًا يمنع الوطنية من التحول إلى عدوان.
غير أن الواقعية السعودية تضيف إلى هذه الرؤية تصحيحًا مهمًا: قد يكون مكان الميلاد مصادفة في سيرة الفرد، لكن الوطن ليس مصادفة في السياسة، ولا رابطة مؤقتة يمكن القفز فوقها إلى إنسانية مجردة. إنه المجال الذي تتحول فيه القيم إلى أنظمة، والحقوق إلى ضمانات، والمسؤولية إلى قرار، والدولة التي لا تقدم أمن مواطنيها ومصالحهم لا تستطيع أن تحمل مسؤوليةً أوسع تجاه غيرهم؛ فالإنسانية لا تبدأ من إضعاف الانتماء الوطني، بل من دولة قوية تمنح مبادئها قدرةً على الفعل.
وفي قلب هذه الرؤية تعود الدولة الوطنية إلى مكانها الطبيعي، فالسعودية ليست معبرًا إلى مشروع أيديولوجي يتجاوزها، ولا ساحة لصراعات الآخرين، ولا دولة وظيفية تؤدي الدور الذي يرسمه لها غيرها، وإنما هي دولة تعرف موقعها، وتحدد مصالحها، وتصوغ أدوارها بإرادتها، وانتماؤها العربي والإسلامي ليس بديلًا من هويتها الوطنية، بل امتداد لقوتها؛ إذ لا يستطيع الوطن أن يحمل مسؤولياته الكبرى إذا استنزفت سيادته أو غابت أولوياته.
ومن هنا يفهم اتساع شبكة العلاقات السعودية، فالشراكة التاريخية مع الولايات المتحدة لا تمنع بناء شراكات إستراتيجية مع الصين والهند وروسيا وأوروبا وغيرها، السعودية لا تستبدل محورًا بمحور، ولا تقايض صديقًا بصديق؛ بل تبني لكل علاقة مجالها بقدر ما تحققه من مصلحة متبادلة، وهذا ليس وقوفًا على مسافة واحدة من الجميع، بل قدرة على الوقوف في الموضع الذي تختاره المملكة لنفسها.
وتصح المقارنة بالصين من زاوية محددة، لا من باب المطابقة بين تجربتين مختلفتين في التاريخ والنظام والحجم، فالدولتان تلتقيان في تقديم السيادة الوطنية، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، وبناء العلاقات على المصالح المشتركة، والامتناع عن تصدير نموذج سياسي إلى الآخرين، ومن هذا المنظور، لا تجعل السعودية التدخل أو الاعتداء أصلًا في سياستها، لكنها لا تتردد في حماية أمنها الوطني ومصالحها حين تتعرض للتهديد، فالسلام اختيار قوة، لا ستار ضعف؛ والسيادة احترام متبادل، لا تنازل أحادي.
ولهذا لا تنحصر السياسة في فكر سمو الأمير بين الخضوع والصدام؛ فبينهما مساحة واسعة من التفاوض والردع وبناء المصالح وتغيير موازين القوة وانتظار اللحظة المناسبة، وحينما يصبح الحوار قادرًا على تقليل المخاطر وفتح أبواب الاستقرار، يكون الإقدام عليه شجاعة سياسية؛ وحين يهدد الأمن الوطني، تصبح القوة مسؤولية لا نزوة، فالحرب الدائمة تستنزف الإنسان والتنمية، وحسن النيات وحده لا يحمي الحدود ولا يردع الميليشيات.
وتوثق هذه الرؤية الصلة بين السياسة الخارجية ومشروع التنمية، فكل استقرار تسهم المملكة في صنعه، وكل شراكة تقيمها، وكل صدام تتجنبه دون تفريط ينعكس على أمن المواطن واقتصاده وفرصه، والمصالح الاقتصادية المتبادلة لا تنتج عائدًا ماليًا فحسب، بل تنشئ لدى الدول والشركات والأسواق مصلحة في استقرار المملكة ونجاح مشروعها؛ وهكذا يصبح الاستثمار أداة سياسية، وتغدو التجارة طريقًا لبناء الاستقرار، وتتحول المكانة الدولية إلى أصل وطني منتج.
ولا يعني تقديم المصلحة الوطنية انكفاء أو تخليًا عن المسؤولية الأخلاقية، فالمملكة حين تدافع عن استقرار المنطقة، وحقوق الشعب الفلسطيني، وسيادة الدول العربية، وحماية المدنيين، لا تفصل القيم عن المصالح؛ لأنها تدرك أن المنطقة المضطربة لا توفر أمنًا دائمًا لأحد، الواقعية هنا لا تلغي المبدأ، بل تحميه من أن يتحول إلى خطاب عاجز؛ فالمبدأ من غير قدرة أمنية واقتصادية ودبلوماسية يظل أمنية، أما حين تسنده دولة قوية فإنه يصبح موقفًا مؤثرًا.
هذه هي الواقعية السعودية الجديدة: وضوح في الغاية، ومرونة في الوسيلة، وثبات في السيادة، وتوازن بين السلام والردع، وربط واعٍ بين السياسة والتنمية.
لقد صنعت الدولة قدرتها في الداخل، ثم وجهت السياسة هذه القدرة في الخارج، ولذلك لا تسأل المملكة العالم أن يرسم لها موقعها، ولا تنتظر اعترافًا بحقها في الاختيار؛ لأن الدول الكبرى لا تمنح أدوارها، بل تبني أسبابها، ثم تشارك بقوتها في رسم الخرائط التي كان الآخرون يرسمونها وحدهم.