تذكرت ذلك المشهد وأنا أتأمل حياة الإنسان المعاصر؛ فقد وقف على أبوابها عشرات المتخصصين، وكل واحد يريد مساحة في يومه وجسده وطعامه وأبنائه وعمله وعلاقاته ومستقبله. منحتنا التخصصات معرفة عميقة ومنافع جليلة، ثم جاءت صناعة المحتوى فوسعت مساحة كل تخصص في حياة الناس؛ لأن حضور المتخصص ينمو كلما أقنعهم أن قضيته هي الأشد خطرًا والأكثر إلحاحًا. فالمهتم بالمكملات والفيتامينات يصور الجسد بناء آيلًا إلى الانهيار، ويجعل كل تعب رسالة نقص، وكل فتور إنذارًا، وكل تغير في المزاج طلبًا عاجلًا لعلبة جديدة. ومدرب الرياضة يجعل يوم الراحة بداية للضمور، حتى تتحول الحركة التي تمنح الجسد عافيته إلى وظيفة ثقيلة، وتغدو الساعة الذكية مديرًا صارمًا يحاسب صاحبها على خطواته ونبضه ونومه.
ويأتي الخطاب الطبي فيضع أجهزة القياس على طاولة البيت؛ فلكل صداع قراءة، ولكل وجبة منحنى، ولكل تحليل حمولة نفسية تتجاوز وظيفته الطبية. ثم يدخل أخصائي التغذية إلى المائدة، فتتحول اللقمة إلى كربوهيدرات ودهون ومؤشر سكري ونافذة أكل، وتفقد المائدة براءتها ومعناها الأول: رزق طيب يؤكل بقدر، ويورث شكرًا وعافية.
ويصل مستشار الأعمال، فيحول العمر إلى شركة، والعلاقات إلى شبكة مصالح، والهواية إلى فرصة استثمارية، والراحة إلى شعور بالذنب. ويدخل المتخصص في التربية البيت بقاموس واسع من الاحتمالات النفسية، فيصبح الوالدان مراقبين لأبوتهما أكثر من كونهما أبوين، ويغدو الطفل مشروعًا يجري قياسه، عوضًا عن روح تنمو بالمحبة والقدوة والزمن. وهكذا يصبح الإنسان غنيمة تتنازعها التخصصات. كل متخصص يحمل جزءًا من الحقيقة، ثم تعرض صناعة المحتوى ذلك الجزء في حجم الحقيقة كلها، فيعيش الفرد بين عشرات الإنذارات، يراقب جسده، ويحلل علاقاته، ويفحص نومه، ويحاسب طعامه، ويتعقب مزاجه، حتى يغدو وعيه عبئًا على حياته.
وتختصر العبارة المنسوبة إلى دوستويفسكي هذا المأزق - على قسوتها: «شدة الإدراك لعنة» والنجاة في كلمة واحدة: الاقتصاد. الاقتصاد خُلُق في العيش، وحكمة تمنح كل شيء قدره: حركة منتظمة، وطعام طيب بقدر، وفحوص تناسب العمر والحاجة، وتربية قوامها المحبة والقدوة والحزم الرحيم، وعمل جاد يعقبه سكون، واستشارة تضيء الطريق وتبقي القرار لصاحبه. ويبدأ الاقتصاد باسترداد الإنسان حقه في ترتيب مصادر القلق: يميز بين عرض يستحق الفحص وإحساس عابر، وبين نصيحة نافعة وضجيج يتغذى من المتابعة. يجعل لكل شأن وقتًا وحدًا، ويختار مرجعًا موثوقًا عوضًا عن مواكب المقاطع، ويغلق باب الاستشارة بعد اكتمال غرضها، ثم يترك لجسده مساحة العافية الفطرية، ولأبنائه فسحة النمو، وليومه قدرًا من العفوية.
فالسكينة ثمرة عقل يضع انتباهه في موضعه، ويترك سائر الأشياء تمر في هدوء. ولا مشكلة في الاستماع للمتخصصين، لكن استحضر ما ذكرته لك وامنح كل صوت حجمه الطبيعي؛ فالمتخصص يرى الحياة من نافذة واحدة، وأنت وحدك تسكن البيت كله. خذ من الخبير مصباحًا، وأبق المقود في يدك، ثم امض بخفة وسلام؛ والسلام.
السكينة ثمرة عقل يضع انتباهه في موضعه، ويترك الأشياء تمر في هدوء، لا مشكلة في الاستماع للمتخصصين، لكن امنح كل صوت حجمه الطبيعي