تكتب سيرة «راتكو ملاديتش»، الذي وافته المنية في السابع والعشرين من أغسطس، بخط لا يمحى، كمسار رجلٍ حكم عليه بجرائم حرب، وستظل ذاكرته عالقة في ضمير أوروبا والعالم بوصفه واحدًا من أشد المجرمين في العصر الحديث. ومع ذلك، ستدفن صربيا ملاديتش بمرتبة الشرف الرسمية الكاملة؛ فعلٍ ينظر إليه على أنه عار لن يزول من الذاكرة مهما حاول الزمن أن يطمسه! كيف يمكن لبلد أن يختار الاحتفاء بقاتلٍ معروف، بينما تصر مواثيق القانون الدولي والمحاكمات الجنائية على أنه تجاوز كل حدود الإنسانية؟!

وفي مقابلة مع قناة تلفزيونية محلية، قال «نيناد فوييتش»، وزير العدل في صربيا: إن ملاديتش كان «جنرالًا» وإن البروتوكولات معروفة، وإن دوره مفهوم وأنه بناء على ما يستحقه الجنرال سيتم تكريمه. وأضاف «فوييتش» أن جمهورية صربيا ليست الجهة التي تتخذ القرار، وأن تحديد موقع الدفن من شأن العائلة وحدها، معتبرًا أن صربيا كذلك ستتولى ترتيب نقل جثمان «ملاديتش» من لاهاي. وتابع الوزير أنهم ينتظرون «الآلية» التي سوف تحدد الإطار الزمني للإجراءات والخطوات المطلوبة، وأنهم جاهزون للتوجه إلى لاهاي إذا طلب منهم ذلك فورًا لاستلام جثمان الجنرال. هذه التصريحات، بصيغتها الرسمية، لا تبدو مجرد تنظيم إداري، بل رسالة سياسية وأخلاقية في آن واحد؛ رسالة تظهر أن كثيرًا من المؤسسات لا ترى في الجريمة سببًا كافيًا لقطيعة رمزية، بل ترى فيها صفحة يمكن تغطيتها بالشعارات!

عن موت «ملاديتش» كتبت «كريستيان أمانبور» المذيعة الدولية المعروفة في المؤسسة الإخبارية «CNN» والمسؤولة عن تغطيات دولية، في حسابها على منصة X قائلة: إن أحد «أكثر القتلة وحشية في العالم» مات أخيرًا وهو في عمر الرابعة والثمانين، وأن الجنرال الصربي البوسني السابق ظل يعيش زمنًا أطول بكثير مما سمح به لآلاف الضحايا. وأكدت أن أكثر من سبعة آلاف رجل وولد مسلم ذبحهم في سربرنيتسا سيكونون وصمة عاره الدائمة، مشيرة إلى أنه حوكم على الأقل عبر محكمة دولية وأدين بتهم شنيعة، بما فيها الإبادة الجماعية، وأنها فخورة بعمل الصحفيين في التسعينيات لتوثيق جرائم ارتكبت ضد الإنسانية، أدت أخيرًا إلى مساءلته.


لا أحد ينكر أن «أمانبور» قدمت إسهامًا مهمًا في تسليط الضوء على الفظائع التي ارتكبها «ملاديتش» ورفاقه في البوسنة في تسعينيات القرن الماضي، ودفعت -بحكم وظيفتها- نحو حفظ الأدلة وإبراز تفاصيل ما كان كثيرون يفضلون طمسه. لكن المشكلة تبدأ حين يراد رسم تشابهات بين تلك المرحلة وما يجري اليوم دون الإشارة إلى «إسرائيل» بوصفها الوحش الأكثر صخبًا وتخريبًا في المشهد! فاللافت ليس اختلاف التوقيت فحسب، بل طريقة التناول الإعلامي نفسها: من يعرف الجريمة كجريمة؟ ومن يتعامل معها باعتبارها ضجيجًا سياسيًا؟ ومن يطالب بالعدالة قبل أن تمتلئ المقابر الجماعية؟ ومن يترك الزمن يعمل كستارة تخفي الفظاعة خلف «ما بعد» المحاكمات؟!

إذا قارنا بين ما أنجزه الصحفيون في التسعينيات وما يجري اليوم في التغطية، يظهر الفارق بوضوح. «أمانبور» تعمل لصالح «CNN»، ومع ذلك فإن تقارير كثيرة تشير إلى أن «CNN» تمارس تجاهلًا أو تثبيطًا لتغطية ما يخص «إسرائيل» في غزة، بما يرتبط أيضًا من تطهير عرقي وإرهاب ترعاه «إسرائيل» في الضفة الغربية. كما تتهم تقارير أخرى أولئك الذين يحتجون ويطالبون بكشف الحقيقة بأنهم يشوهون أو تلصق بهم تهم، وكأن المطلب ليس إنسانيًا بل تهديدًا لخطاب سياسي محدد! هذه المعضلة ليست «رأيًا صحفيًا» فقط، بل تتعلق بمدى استعداد الإعلام العالمي لأن يستخدم أخلاقياته بوصفها معيارًا ثابتًا، لا بوصفها أدوات تنتقل مع الاتجاهات.

والجدير بالذكر أيضًا أن ظهرت تقارير تفيد بأن أسلحة «إسرائيلية» وتدريبًا مصاحبًا لها وصلت إلى القوات الصربية -بما في ذلك الصرب البوسنيون- خلال حرب 1992-1995، بما يخالف حظر الأمم المتحدة؛ وتستند هذه التقارير إلى وجود قذائف معلمة بعلامات «عبرية» وكذلك عيارات من طراز Uzis جرى استخدامها، إضافة إلى ملاحظات في دفتر مذكرات «ملاديتش» أشارت إلى أن أسلحة قنص وعروض تدريب من «إسرائيل»، فضلًا عن تقارير صفقات بين 1991 و1995 كانت قد تمت، وأشارت تقارير تلفزيونية مرتبطة بـ«إسرائيل» إلى أنه كان يوجد نشاط تجارة أسلحة خاصة كانت بحاجة إلى موافقات حكومية. ويذكر أيضًا أن المحكمة العليا لـ«إسرائيل» أغلقت تفاصيل التصدير في عام 2016، بما يعني أن ملفًا كاملًا ظل في الظل بدلًا من أن يتحول إلى تحقيق علني يخضع لمعايير الشفافية التي تدعي أنها تدير دوائرها القضائية بناءً عليها.

بالعودة إلى مذبحة البوسنة اتضح أن «قوات حفظ السلام» كانت تراقب الموقف، حيث تراجعت مهامها أو أوقف دورها في لحظات كانت فيها المأساة تتكشف أمام أنظار العالم! أكثر من سبعة آلاف من الرجال والأولاد المسلمين البوسنيين قتلوا داخل ما سمي «منطقة آمنة»! بينما أدين «ملاديتش» في النهاية بتهمة الإبادة الجماعية وحكم عليه بالسجن مدى الحياة، لم يسائل أحد قوات «حفظ السلام»على دورهم السلبي!

الدرس الذي يفترض أن يستخلص من تلك المذبحة لا يتوقف عند ضرورة محاكمة مجرمي الحرب فحسب، بل تمتد إلى ضرورة أن يتحدث الصحفيون وقادة العالم بوضوح أخلاقي متزامن مع الجريمة نفسها، لا بعد امتلاء المقابر الجماعية بعشرات السنوات من الصمت!

هنا تظهر المعايير المزدوجة بكل وضوح؛ فقد حوكم «ملاديتش» وأدين، بينما يواجه «نتنياهو» أمر توقيف بموجب مذكرة من المحكمة الجنائية الدولية، أضف إلى ذلك أن أمريكا التي كانت قد سعت إلى ملاحقة «ملاديتش» بسبب جرائمه، تقف اليوم في صف مرتكب الإبادة الجارية في غزة! أخذت دور الحاضن والحامي لـ«نتنياهو» من الاعتقال، بل وتفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية! هذه المفارقة لا تعني أن العدالة تتعطل لأسباب تقنية، بل تعني أن العدالة قد تقاس أحيانًا بمدى توافقها مع مصالح سياسية أو حسابات نفوذ، وليس بمدى انطباق القانون على الوقائع!

نعم، تتداخل السردية بين المحاكم والكاميرات، وبين الاتهام والإدانة، وبين الخطاب الرسمي والواقع الذي يتعرض له الضحايا، لذلك لا يكفي أن نقول إن «المجرم» انتهى أو إن «المحاكمة تمت». الأهم هو أن تكون الأخلاق معيارًا ثابتًا لا يتغير بتغير الجهة أو اللغة أو خارطة التحالفات.

في النهاية أترك القراء مع الحوار الافتراضي التالي:

إذا سئل «ملاديتش» قبل يوم وفاته: «كيف تشعر عندما قتلت 7000 روح من البشر؟»

«ملاديتش»: «لا أدري... لم أقتل سوى مسلمين»

وإذا سئل «نتنياهو» اليوم السؤال نفسه، لن يكون مستغربًا أن تكون الإجابة... نفسها!