وعند هذا المستوى يمكن قراءة الدولة في فكر سمو الأمير محمد بن سلمان؛ فلم يتعامل سموه مع الدولة بوصفها جهازًا موروثًا يكفي أن يحسن تشغيله، وإنما تعامل معها بوصفها مشروعًا متجددًا يحتاج، كلما تغيرت تحدياته واتسعت غاياته، إلى إعادة بناء قدرتها المؤسسية. ولم تبدأ هذه الرؤية من فراغ؛ فالدولة السعودية ثمرة تراكم تاريخي طويل، أسهمت أجيالها وقياداتها في تثبيت أركانها وبناء مؤسساتها، غير أن التحولات الكبرى لا تكتفي بما أنجزه السابقون، بل تنطلق منه لتصنع ما يحتاج إليه القادمون.
كان أحد التحولات المهمة التي أحدثها سمو الأمير هو الانتقال بالقيادة، كنظرية ومفهوم من النظر إلى الدولة باعتبارها جهازًا يدير المتاح والمعتاد والمألوف، إلى النظر إليها باعتبارها قوةً تدير الحاضر بكفاءة عالية، وتبني المستقبل، وهذا يقود بصورة طبيعية إلى الانتقال: من إدارة الموارد إلى تنميتها، ومن تنفيذ الإجراءات إلى تحقيق النتائج، ومن البيروقراطية المتفرقة إلى التكامل المؤسسي، ومن نجاح الجهة أو الدائرة أو الوزارة في ذاتها إلى نجاح الدولة في غاياتها الكبرى.
لهذا لم تكن رؤية السعودية 2030 برنامجًا اقتصاديًا فحسب، بل كانت، في عمقها، إعادة تعريف للدولة وطريقة عملها، فقد قسمت الطموح إلى أهداف، وربطت الأهداف ببرامج ومؤشرات، وأخضعت التنفيذ للمتابعة والمراجعة. وبذلك لم يعد القرار إعلانًا تنتهي قيمته بصدوره، وإنما أصبح مسارًا له جهة مسؤولة، وزمن معلوم، ونتائج يمكن قياسها، ومواطن خلل يمكن اكتشافها ومعالجتها.
وقد أعاد الكاتب نبيل علي صالح، في مقاله «مونتسكيو مهندس الدولة الحديثة» المنشور في صحيفة «الوطن»، طرح أطروحة صاحب «روح الشرائع»، الذي انطلق من هاجس إساءة استعمال السلطة، ورأى أن منع ذلك يقتضي أن تحد السلطةُ السلطةَ، وأن تتوزع وظائف التشريع والتنفيذ والقضاء. ويقدم المقال مدخلًا مهمًا لفهم المؤسسة بوصفها حمايةً للإنسان من التعسف، والقانون بوصفه فاصلًا بين الحكم المنظم والإرادة المنفردة.
غير أن التجربة السعودية في عهدها الحاضر توسع السؤال الذي شغل مونتسكيو، فالدولة الحديثة لا تواجه خطر إساءة استعمال القوة وحده، بل تواجه كذلك خطر تشتتها وتعطلها وعجزها عن بلوغ غاياتها، ومن ثم لا تقتصر وظيفة المؤسسة على تقييد السلطة، بل تشمل تنظيمها ومضاعفة أثرها وحفظ خبرتها. وهنا تظهر دلالة تبدو في ظاهرها مفارقة: القيادة السياسية القوية ليست نقيضًا للمؤسسية؛ فقد تكون هي التي تبني المؤسسات، وتوزع الاختصاصات، وتقيم منظومات القياس والمساءلة، وتنقل الدولة من تفرق القدرة إلى وحدة الغاية.
وفي النظام السعودي، لا تقوم المؤسسية على انفصال جامد بين السلطات والأجهزة؛ فالنظام الأساسي للحكم يحدد سلطات الدولة بالقضائية والتنفيذية والتنظيمية، وينص على تعاونها في أداء وظائفها. والمشكلة، وفق هذه الرؤية، ليست في اجتماع مؤسسات الدولة على غاية وطنية واحدة، وإنما في غموض المسؤولية، وتداخل الصلاحيات، وغياب المحاسبة. لذلك جاءت إعادة الهيكلة، ودمج الاختصاصات المتقاربة، وفصل التنظيم والرقابة عن تقديم الخدمة حينما يقتضي الأمر؛ لتصبح لكل جهة وظيفة محددة، ولكل مسؤول صلاحية تقابلها مساءلة.
ولا تقاس قوة الدولة بكثرة ما تعلنه من مبادئ، بل بقدرتها على تحويلها إلى ممارسة مؤسسية. فالشفافية معلومات متاحة وإجراءات واضحة ومؤشرات تكشف التقدم والتعثر، والمساءلة جزء من بنية العمل، لا موقفًا عابرًا يعقب الخطأ. ومكافحة الفساد، وفق هذا الفهم، ليست مطاردة حالات منفردة فحسب، وإنما حماية لقدرة الدولة من أن تستنزف، ولمواردها من أن تهدر، وحماية لثقة المجتمع بالدولة من التآكل.
ويمتد هذا المعنى إلى البناء التشريعي. ومن المفيد هنا استعادة جانب آخر من أطروحة مونتسكيو؛ الذي يرى أن القوانين لا تعيش منفصلة عن دين المجتمع وتاريخه وأخلاقه وعاداته، وإنما تتصل بما سماه «الروح العامة للأمة»، والتحديث السعودي لا يستعير قوالب جاهزة، بل يبني أنظمة حديثة من داخل حاجات المجتمع وخصوصية الدولة وغاياتها. فالقانون ليس قيدًا اعتباطيًا على حركة الناس، وإنما إطار يحميها من تفاوت التطبيق والتعسف، ويجعل الحقوق والالتزامات أكثر وضوحًا وقابليةً للتوقع.
ولا تزاحم الدولة المؤسسية المجتمع في وظائفه، بل تبني المجال الذي يستطيع داخله أن يعمل ويبتكر. فتمكين القطاع الخاص وغير الربحي، وفتح الأبواب أمام المرأة والشباب، ارتقاء بدور الدولة من أن تنجز كل شيء بنفسها إلى أن تجعل كل قادر شريكًا في الإنجاز. ولهذا اجتمعت الدولة الحديثة مع تاريخها وموروثها وخصوصيتها الثقافية؛ لأن التحديث الذي يهدم ذاكرة المجتمع قد يغير أدواته، لكنه يضعف قدرته على التماسك والمشاركة.
كما لم تكن الرقمنة زينةً إدارية، وإنما إعادة لصياغة العلاقة بين الإنسان والجهاز الحكومي. فكل خدمة تصل إليه دون مشقة، وكل إجراء ينجز من غير مراجعة حضورية، وكل معلومة تنتقل بين الجهات دون أن يحملها المواطن من باب إلى آخر، تعني أن الدولة أصبحت أكثر حضورًا بأقل قدر من الأعباء، وأن المؤسسة أخذت تتشكل حول حاجة الإنسان، بدل أن تطالبه بفهم تشعباتها.
لقد انتقلت الدولة، في فكر سمو الأمير محمد بن سلمان، من إدارة الوفرة إلى صناعة القوة، ومن استمرار الإجراء إلى قياس الأثر، ومن تفرق الأجهزة إلى وحدة الغاية. وإذا كان مونتسكيو قد سأل: كيف تضبط السلطة حتى لا يساء استعمالها؟ فإن التجربة السعودية تضيف: كيف تبنى قدرة الدولة، ثم تنظم حتى لا تتبدد، وتوجه إلى التنمية وصناعة المستقبل؟ وعندما صنعت الدولة هذه القدرة، لم يبق أثرها داخل حدودها فقط؛ بل انتقلت القراءة إلى السياسة التي وجهت بها قوتها: الواقعية السعودية الجديدة.