تطرقت في مقال سابق إلى «تخطيط المدن المنبسطة»، التي عادة ما تتسم بالبساطة وقلة الكلفة، وسرعة التنفيذ وجودة المنتج في نهاية المطاف، تماما، كما هو حال السجاد عند افتراشه. في المقابل، رأينا كيف أن «المدن التضاريسية» على العكس من ذلك تماما، تتسم بصعوبة التخطيط وبطئه ومحدودية منتجاته. ونظرا لأسباب يطول الخوض فيها، أصبحت المدن التضاريسية تعامل وكأنها مدن منبسطة، رغم الصعوبات الجمة، وما قد ينتج عن ذلك. ونظرة سريعة إلى التنمية العمرانية في مدينة أبها مثال على ذلك.

معروف سلفا وعورة الجبال غرب وشمال غرب أبها، لذلك اتجهت التنمية العمرانية شرقا بدءا بأحياء النسيم (النميص سابقا)، وجوحان فوادي بن نعمان فلعصان فالمحالة وحجلاء، وصولا إلى خميس مشيط. غير أنه في السنوات الأخيرة رأينا تمددا عمرانيا لأبها باتجاه الغرب في جبال الشرقي وما يتصل بها شمالا، وصولا إلى أم الركب. ما تم هنا هو معاملة الجبل معاملة الأرض المنبسطة: مخططات شبكية وشوارع متعامدة في الاتجاهين وأراض سكنية. هذا النمط من التنمية العمرانية في تخطيط المدن الجبلية غير مناسب، لعدة أسباب، هذه بعض منها.

أولا: جبال الشرقي وأم الركب وما بينهما جبال راسيات، ذوات ميول وانحدارات شديدة، وبالتالي فإن إخضاعها لمخطط شبكي، في الواقع مخالف لعملية التخطيط أساسا. هنا يتم التعامل مع هذه الجبال على أنها منبسطة تماما. يتم قص الأرض الواحدة تلو الأخرى قصا، والبناء عليها من منسوب واحد. منظر هذه الأراضي أثناء القص - نظرا لحجمه وتكاليفه - مروع.


ثانيا: ترسم جبال الشرقي وأم الركب خط الأفق لمدينة أبها ولذلك فالبناء على هذه الجبال فيه إخلال بخط أفق المدينة. هنا تبدو البيوت بعد بنائها وكأنها ندوب في جسم الجبل. هذا بحد ذاته أحد صور التشوه البصري الذي أصبحت معالجته أولوية لدى أمانات المناطق، ليس في أبها وحدها، بل في بقية مدن المملكة.

ثالثا: التنمية العمرانية ليست مجرد مخططات تصلها الخدمات لتباع في أقرب وقت ممكن. التنمية العمرانية مفهوم مركب يدخل ضمن ثناياه: الاستدامة، جودة الحياة، الأنسنة، رضا الناس، المشهد البصري، المشاركة المجتمعية، إلخ. وفي ضوء هذه الممارسة لا تسأل هنا عن جودة منتج، ولا عن مشهد بصري جميل، ولا عن انتماء بين البناء ومحيطه، ولا عن تكلفة قص الأرض. على العكس من كل ذلك تماما فالنتائج عكسية وبمقاييس هندسية. قص الأرض وهدم الجبال بما يرافقه من تجريف للتربة وتغيير مجرى السيول وتشويه المشهد البصري ناهيك عن تكاليفها الباهظة، كلها أعمال معادية للبيئة. التنمية العمرانية السليمة، هي دائما صديقة للبيئة، وهنا يكمن الفارق بين بيئة عمرانية ناجحة وأخرى ليست كذلك.

«والجبال أوتادا» آية قرآنية كريمة ذات معنى جيولوجي وبيئي عميق، وإذا ما تمت استعارتها هنا ورأينا قص الجبال لتصبح شوارع وأراضي سكنية، مع ما يترتب على كل ذلك من صعوبات، لرأينا مدى الجور الذي يرتكب تجاه البيئة الطبيعية.

المخططات الجبلية لصعود الجبال مكلفة وغير مستدامة ومعادية للبيئة. هناك بدائل لهذه المخططات. ونظرة بسيطة إلى البيئة الطبيعية وعمارتها التقليدية تفي بالغرض. فقد حول المزارعون البسطاء هذه الجبال إلى مساطب (مثل الكف). في هذه المساطب يكمن الحل. ومن باب التخيل فقط أنظر لما كانت ستبدو عليه أم الركب (متنزه سما أبها) لو طبقت فكرة المساطب عليها. هنا يحدث الانسجام بين البيئة التقليدية والحديثة مع ما سيترتب على كل ذلك من محاسن، وما أكثرها.

ما يحدث هنا هو تحول التنمية العمرانية إلى تنمية عقارية تتجاهل بقية الأمور المترتبة على معاملة الجبل معاملة السهل. وهنا -أيضا- يكمن أساس المشكلة برمتها. التنمية العقارية -إن صح المصطلح أصلا- شيء والتنمية العمرانية شيء آخر. على التنمية العقارية تجاوز الاكتفاء بالجانب الاقتصادي فقط، وأن تنظر إلى بقية الجوانب المتعلقة بالتنمية العمرانية بالدرجة نفسها من الأهمية، فأبها مدينة الفن والضباب تستحق الكثير.