هذا الوباء المصنّع في مختبرات المطامع متعددة الجنسية سبق أن فكّك بلداناً وشتّت شعوباً، والسودان وليبيا والصومال واليمن ليست سوى أمثلة، وعدا أنه أدّى في الحال الفلسطينية إلى زعزعة «القضية» ومشروع «الدولة»، فإنه بات يتحكّم حالياً بمصائر دول عدة في الشرق الأوسط، لا سيما العراق حيث يُفسد النفوذ الإيراني كل محاولات تعزيز دولة قائمة لكنْ مُجهضة، أو سوريا التي اخترقتها إسرائيل بـ«منطقة نفوذ» مزيّفة (السويداء) وتستخدمها لتقسيم البلد أو «تقاسم نفوذ» مع تركيا، كذلك لبنان الذي حوّلته إيران وإسرائيل ساحةً لصراع على النفوذ ولا تأبهان بالشعب ومعاناته ولا بالعمران وذاكرته الحضارية... وقد فاقمت الحرب على إيران أدوار الميليشيات وسوءاتها.
في هذه الدول الثلاث، وبرغم اختلاف الظروف، تحالفت الميليشيات ذات الولاء الخارجي مع منظومات الفساد كافة فدمّرت الاقتصاد واحتضنت الإرهاب أو استخدمته، ولم تعد لها مصلحة في وجود دولة. لكنها دول تشهد حالياً محاولات تبدو جدّية للخروج من عقلية الميليشيا وحمولاتها التخريبية، ويجمع بينها حالياً هدفٌ واحد: نزع السلاح المنفلت. فهذه ورشة هائلة لا تختلف كثيراً عن تأسيس/ أو إعادة تأسيس الدولة وما يكتنفه من تحديات داخلية؛ من ضرب الفساد لتصحيح مسار الاقتصاد إلى إصلاح الإدارة وأداء أجهزة الأمن وتوطيد الثقة بالقضاء والمؤسسات... وحين يُصار إلى الحوار لـ «نزع السلاح» بالتفاهم فإن الميليشيات تبتزّ الدولة وتطلب تنازلات لا تستحقّها.
شهدت سوريا أخيراً نجاح تجربة اندماج المكوّن الكردي في مؤسسات الدولة، وأعلن مظلوم عبدي زعيم «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) حلّ هذا التنظيم بعد انتهاء مهمّته. لم تمرّ هذه التجربة بسلاسة، وحصلت صدامات دموية خلال التفاوض على شروطها، إذ حاولت «قسد» الحفاظ على منطقة «حكم ذاتي» استعانت في إقامتها بظروف الحرب السورية وبدعم أمريكي لمحاربة «داعش»، لكن الجوار التركي المباشر رفع «الفيتو» إزاء طموحاتها، ثم أن الجانب الأمريكي سحب دعمه ومنع إسرائيل من التدخّل في شمال شرقي سوريا، فخسر الكرد فرصة لم تكن مؤكّدة للانفصال، وتعاملوا ببراغماتية مع خيارات الاندماج، وسيلزمها وقت وقوننة وإرادة واضحة لدى الطرفين كي تنجح. ولا شك أن الشجاعة التي أبدياها أضفت مصداقية على هذه التجربة التي يُفترض أن تنعكس أيضاً على «قضية السويداء»، فللدروز تاريخ ناصع لكن في سوريا وليس في إسرائيل.
أما في العراق فبدأت الحكومة مساراً دستورياً وقضائياً لـ «نزع سلاح» الميليشيات، لكنه شاقٌ وبالغ التعقيد سياسياً. ولعل ثلاثة عناصر صنعت جدّيته: 1) إنه المطلب الشعبي الرقم 1 إلى جانب مكافحة الفساد، و2) إن رئيس الوزراء علي الزيدي لا ينتمي إلى منظومة «المافيا والميليشيا» وقَبِل المنصب بشرط إحداث فارق في نمط الحكم، و3) إن واشنطن تدعم الزيدي وتلوّح بعقوبات لمن يريدون الاستمرار في نهب المال العام وتهميش الدولة وتحاصص الوزارات والميزانيات والتلاعب بأمن العراق وجواره. لكن تكثيف زيارات المسؤولين الإيرانيين (محمد باقر قاليباف، إسماعيل قاآني، ممثل المرشد محسن قمي، وغيرهم) أعاد نصب العقبات أمام الـ 30 من أيلول (سبتمبر) كموعد نهائي للخلاص من تسلّط الميليشيات، حتى أن قاليباف نصح بحلٍّ «شكلي» للسلاح يمنع تسليمه للدولة ويتيح «تخزينه» لدى «الحشد الشعبي» لئلا يكون «بعيداً عن متناول الفصائل»، وهذا تأكيد جديد لكون «الحشد» ليس مؤسسة تابعة للقيادة، أي لرئيس الوزراء.
ما يجمع بين العراق ولبنان أن الجيش لديه القدرة على «نزع السلاح» أو «حصره» أو «ضبطه» و«تجميعه»، لكن الاختراقات الطائفية تغذي الخوف على تماسكه، ما يبدّد تلك القدرة ويحول دون مباشرته المهمة الأسمى التي يتوق إليها الشعبان والبلدان، قبل أن تكون مطلباً خارجياً. كان قاليباف تفاخر بأن أربعة آلاف لبناني قضوا من أجل إيران، وبأنه على اتصال مع «قادة المقاومة» في لبنان لتشجيعهم على مواصلة القتال، فالمهم عنده أن تبقى إيران قادرة على استخدام «حزبها» في لبنان حتى لو استدرج مزيداً من الاحتلال الإسرائيلي. وفي بغداد بشّر قاليباف بـ«نظام أمني جديد يتشكّل، والعراق أول شريك لإيران فيه»، لكنه لم يكن يقصد العراق- الدولة بل بضع ميليشيات تحتاج إليها طهران لترهيب الداخل العراقي وتنفيذ اعتداءات على دول الخليج.
* ينشر بالتزامن مع موقع
«النهار العربي»