السيادة البحرية بين النص القانوني وميزان القوة في هذا المجال السياسي، يمثل مضيق هرمز اليوم ساحة صراع مركّبة تتداخل فيها اعتبارات القانون الدولي مع حسابات القوة الإقليمية والدولية، في لحظة حساسة لم تنتهِ فيها المواجهات العسكرية بالكامل رغم مشاورات وقف إطلاق النار المعلن، إذ لا تزال الاشتباكات المحدودة تتكرر بوتيرة محسوبة تعكس رغبة الأطراف في إبقاء الضغط قائمًا دون الانزلاق إلى حرب شاملة. وفي هذا السياق، لم تكن الاجتماعات المطوّلة التي عقدها وزير الخارجية الأمريكي مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في البحرين مجرد محطة بروتوكولية، بل جاءت بوصفها اختبارًا عمليًا لما أفرزته مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية من إشكالات سياسية وقانونية لم تُحسم بعد، حيث بدا واضحًا أن الوثيقة التي أسهمت في وقف المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران لم تُنهِ أسباب النزاع، وإنما نقلته من ميدان العمليات العسكرية إلى طاولة التأويل القانوني والتفاوض السياسي، بحيث أصبحت كل عبارة فيها قابلة لتفسيرات متعددة، وكل طرف يقرأ النص بما يخدم مصالحه الإستراتيجية، في ظل استمرار إطلاق النار المتقطع الذي يذكّر بأن الهدنة ليست سوى إطار هشّ قابل للانهيار في أي لحظة.

وعلى الرغم من الترحيب الخليجي الأولي بأي تفاهم يجنّب المنطقة حربًا واسعة، فإن هذا الترحيب لم يكن مطلقًا، بل صاحبه إدراك بأن الوثيقة أغفلت ملفات تمثل جوهر القلق الأمني الخليجي، وفي مقدمتها البرنامج الصاروخي الإيراني وآليات دعم الجماعات المسلحة المرتبطة بالحرس الثوري، فضلًا عن الغموض الذي يكتنف مستقبل البرنامج النووي. إلا أن القضية التي فرضت نفسها بقوة على اجتماعات البحرين كانت مستقبل حرية الملاحة في مضيق هرمز، باعتباره أحد أهم الممرات البحرية التي يحميها القانون الدولي، والذي يعتمد عليه الاقتصاد العالمي في تدفق الطاقة والتجارة الدولية، خصوصًا في ظل استمرار الحوادث الأمنية التي تتزامن مع إطلاق النار المحدود، ما يجعل المضيق مسرحًا لتجاذبات تتجاوز النصوص القانونية إلى رسائل القوة الميدانية.

لقد سعت واشنطن خلال اللقاءات إلى تبديد المخاوف الخليجية عبر إعادة التأكيد على التزامها التقليدي بأمن المنطقة واستقرارها، مع الإشارة إلى أن القضايا التي لم تتناولها مذكرة التفاهم بصورة مباشرة ستكون محل مفاوضات لاحقة، سواء بالتزامن مع الاتفاق النووي الجديد أو بعد إنجازه. غير أن هذا الخطاب السياسي لم يتضمن التزامات تنفيذية واضحة، إذ اكتفى وزير الخارجية الأمريكي بالتشديد على رفض فرض أي رسوم أو قيود على المرور في مضيق هرمز، محذرًا من أن السماح بمثل هذا السلوك قد يشكل سابقة تهدد النظام القانوني للممرات البحرية الدولية كافة، وهو تحذير يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن المسألة لم تعد تتعلق بإيران وحدها، وإنما بمستقبل قواعد حرية الملاحة المنصوص عليها في القانون الدولي للبحار، في وقت تتكرر فيه الاشتباكات المحدودة التي تُظهر أن وقف إطلاق النار ليس سوى غطاء سياسي لإدارة صراع مستمر.


وفي المقابل، قدّم الجانب العُماني رؤية أكثر هدوءًا تقوم على استمرار الحوار المباشر مع طهران، مؤكدًا رفض فرض رسوم على العبور، مع الإشارة إلى اتخاذ إجراءات فنية مؤقتة لتأمين مرور السفن وتقليل احتمالات الاحتكاك العسكري. ويعكس هذا الموقف استمرار الدور العُماني التقليدي بوصفه وسيطًا إقليميًا يحاول الموازنة بين مقتضيات الأمن الخليجي ومتطلبات الحوار مع إيران، دون الانخراط في سياسة التصعيد، خصوصًا في ظل استمرار إطلاق النار المتقطع الذي يجعل أي خطوة غير محسوبة قابلة لتفجير الوضع.

إلا أن الرد الإيراني جاء سريعًا وحمل رسائل تتجاوز مضمون التصريحات الدبلوماسية، فقد أعلن الحرس الثوري أن تحديد مسارات الملاحة يخضع للسلطات الإيرانية وحدها، ملوحًا باتخاذ إجراءات ضد السفن التي لا تلتزم بالتعليمات الصادرة عنه، في موقف يعكس محاولة لترسيخ مفهوم السيطرة العملية على المضيق بصرف النظر عن الجدل القانوني القائم حول طبيعته الدولية. وفي الوقت نفسه، أعلن وزير الخارجية الإيراني عن اتصالات وصفها بالإيجابية مع سلطنة عُمان بشأن مستقبل إدارة المضيق والخدمات المرتبطة به، بما أوحى بأن طهران تسعى إلى بناء ترتيبات إقليمية تمنحها دورًا أوسع في تنظيم حركة الملاحة، وهو ما يتقاطع مع استمرار إطلاق النار المحدود الذي تستخدمه إيران لإظهار قدرتها على التأثير في أمن المضيق رغم الهدنة.

ولم يكد هذا السجال السياسي ينتهي حتى وردت تقارير أمنية بحرية عن تعرض إحدى السفن التجارية لإصابة بمقذوف مجهول المصدر أثناء عبورها مضيق هرمز، وهو تطور أعاد إلى الأذهان أن النزاعات البحرية لا تُدار فقط عبر البيانات الرسمية، بل كثيرًا ما تُحسم برسائل ميدانية محسوبة، تستخدم فيها الحوادث الأمنية لإعادة رسم حدود النفوذ وإيصال الرسائل الإستراتيجية. وقد بدا واضحًا أن طهران أرادت أن تؤكد عمليًا أنها لا تزال تمتلك القدرة على التأثير في أمن المضيق، وأن أي تفاهم مع واشنطن لا يعني تخليها عن أدوات الضغط التي راكمتها خلال السنوات الماضية، خصوصًا في ظل استمرار إطلاق النار المتسلسل الذي يثبت أن الهدنة ليست سوى مرحلة انتقالية لإعادة ترتيب أوراق القوة.

وتبعًا لذلك، دخلت المنطقة مجددًا في دورة متكررة من الردود العسكرية المحدودة، حيث استهدفت القوات الأمريكية منشآت مرتبطة بالقدرات الصاروخية والرادارية الإيرانية على الساحل الجنوبي، بينما ردت طهران بضرب مواقع انتشار القوات الأمريكية في الخليج، مع امتداد بعض العمليات إلى المجال البحري المحيط بالبحرين. ورغم محدودية هذه المواجهات، فإنها تعكس تحول الصراع من حرب شاملة إلى نزاع منخفض الحدة، يقوم على إدارة التصعيد دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة، وهو النمط الذي بات يميز كثيرًا من الصراعات الإقليمية المعاصرة، خصوصًا في ظل استمرار إطلاق النار المتقطع الذي يجعل المشهد أقرب إلى صراع مستمر تحت سقف تفاهمات هشة.

ومن ناحية تطبيق القانون الدولي، فإن جوهر الخلاف لا يتعلق فقط بحرية الملاحة، وإنما بتفسير الحقوق السيادية للدول الساحلية في المضايق الدولية. فالقانون الدولي، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يميز بين السيادة الإقليمية للدول المطلة على المضيق وبين حق المرور العابر الذي لا يجوز تعطيله أو إخضاعه لإجراءات تمس جوهر حرية الملاحة الدولية. غير أن إيران تحاول توسيع نطاق مفهوم السيادة بحيث يمنحها سلطة تنظيمية وسياسية أوسع على المضيق، بينما ترى الولايات المتحدة ومعظم القوى البحرية أن المضايق الدولية لا يجوز تحويلها إلى أدوات ضغط جيوسياسي أو مصادر للإيرادات المالية أو النفوذ السياسي، خصوصًا في ظل استمرار إطلاق النار الذي يجعل أي تغيير في قواعد المرور العابر ذا تبعات مباشرة على الأمن الإقليمي.

وفي هذا السياق، يكتسب البند الخامس من مذكرة التفاهم أهمية خاصة، إذ أحال ترتيبات تنظيم الملاحة في المضيق إلى مشاورات بين سلطنة عُمان وإيران، مع مراعاة القانون الدولي والحقوق السيادية للدول الساحلية. غير أن الصياغة العامة لهذا البند فتحت الباب أمام قراءات متباينة؛ فبينما تعتبره طهران اعترافًا بدورها المركزي في إدارة المضيق، تنظر إليه واشنطن باعتباره إطارًا تنظيميًا لا يمس الحقوق الثابتة للملاحة الدولية، وهو اختلاف في التفسير قد يتحول مستقبلًا إلى مصدر دائم للتوتر، خصوصًا في ظل استمرار إطلاق النار الذي يجعل كل طرف أكثر حساسية تجاه أي تعديل في قواعد إدارة المضيق.

وفي موازاة ذلك، لم يكن الملف اللبناني بعيدًا عن الحسابات الإستراتيجية، فقد تزامنت التطورات في هرمز مع تحركات أمريكية لدفع مسار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، وهو مسار يحمل أبعادًا تتجاوز الحدود الثنائية، إذ يُنظر إليه بوصفه محاولة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في المشرق وتقليص مساحة النفوذ الإيراني داخله. ومن هنا، تبدو طهران أكثر حساسية تجاه أي ترتيبات قد تؤدي إلى تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية على حساب الأدوار التي تمارسها القوى المسلحة المتحالفة معها، خصوصًا في ظل استمرار إطلاق النار في هرمز الذي يجعل إيران أكثر حرصًا على عدم خسارة أي ورقة نفوذ إقليمية.

وهنا تدرك إيران أن نجاح أي اتفاق لبناني–إسرائيلي، حتى وإن كان محدودًا، قد يؤدي إلى إعادة توزيع موازين القوة داخل لبنان، ويمنح المجتمع الدولي أدوات إضافية للمطالبة بحصر السلاح بيد الدولة، وهو ما يمثل تحديًا مباشرًا لإستراتيجيتها الإقليمية الممتدة منذ عقود. وفي المقابل، تراهن على تعقيدات المشهد اللبناني والانقسامات الداخلية، إضافة إلى التشدد الإسرائيلي، لإبطاء مسار هذه التفاهمات أو إفراغها من مضمونها العملي، في وقت تستمر فيه الاشتباكات المحدودة في هرمز بما يعزز قناعة طهران بأن الضغط الميداني جزء من إدارة الصراع الشامل.

ومع كل تلك التفاهمات الجوهرية، فإن المشهد الإقليمي يشير إلى أن جميع الأطراف، رغم استمرارها في تبادل الضغوط، لا تبدو راغبة في العودة إلى حرب واسعة. فالولايات المتحدة تدرك أن أي مواجهة شاملة ستنعكس على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وإيران تعلم أن المكاسب السياسية التي حققتها عبر التفاوض قد تتبدد إذا انفجر الصراع من جديد، كما أن دول المنطقة تفضّل استقرارًا هشًا على حرب مفتوحة يصعب احتواء تداعياتها، خصوصًا في ظل استمرار إطلاق النار الذي يجعل الجميع يدرك أن الهدنة ليست سوى مساحة لإعادة ترتيب أوراق القوة.

ولهذا، تبدو المرحلة الراهنة أقرب إلى إدارة صراع طويل الأمد تُستخدم فيه أدوات القانون الدولي بقدر ما تُستخدم فيه أدوات القوة العسكرية. فالمعركة الحقيقية لم تعد تدور حول السيطرة المادية على مضيق هرمز وحده، بل حول تحديد المرجعية القانونية والسياسية التي ستدير واحدًا من أهم الممرات البحرية في العالم، وفي الوقت ذاته إعادة رسم خرائط النفوذ في لبنان وشرق المتوسط. وبين هذين المسارين، تستمر المنافسة على النفوذ تحت سقف تفاهمات مؤقتة لا تلغي أسباب النزاع، وإنما تؤجل انفجارها، ليظل السلام في المنطقة هدنة قابلة للاختبار أكثر منه تسوية نهائية مستقرة.