سوريا الناجية من العزلة إلى استعادة الدولة

يحيى بركسية

احتاج العراق سنوات طويلة حتى يتخلص من العقوبات والقيود التي لاحقته بعد سقوط نظام صدام حسين، بينما استطاعت سوريا أن تقطع جزءاً كبيراً من هذا الطريق خلال أقل من عامين. المقارنة لم تأت من مسؤول سوري، بل من وزير الخارجية العراقي الأسبق هوشيار زيباري، الذي عايش تلك المرحلة، وكان وصفه لما جرى بأنه «تطور استثنائي» لافت يستحق التوقف. المسألة لا تتعلق بسرعة رفع العقوبات وحدها، إنما بسرعة تغير موقع سوريا، فقبل فترة ليست ببعيدة كان الحديث عن دمشق مرتبطاً بالعزلة والعقوبات والميلشيات والحرب. أما الأسبوع الماضي، فحمل مجموعة أحداث تؤكد شيئاً واحداً تقريباً هو أن سوريا بدأت تستعيد موقعها في الخارج، وتعمل في الوقت نفسه لاستعادة سلطة الدولة في الداخل.


أبرز هذه الأحداث كان قرار الولايات المتحدة رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد إدراجها عليها منذ عام 1979 على خلفية سياسات نظام الأسد. القرار أكبر من مجرد تغيير في التصنيف الأمريكي، لأنه يزيل واحدة من أثقل العقبات أمام عودة سوريا إلى النظام الاقتصادي الدولي، ويبعث برسالة سياسية مختلفة تماماً عن تلك التي ظلت دمشق تتلقاها طوال السنوات الماضية.

وللإنصاف فإن الوصول إلى هذه المرحلة لم يكن جهداً سورياً منفرداً، فمنذ البداية، كان للدول الداعمة لسوريا الجديدة خصوصاً السعودية وتركيا وقطر دور واضح في كسر العزلة عن سوريا وفتح الأبواب أمامها. من الرياض أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في مايو العام الماضي رفع العقوبات، بعد جهود كان لولي العهد الأمير محمد بن سلمان دور رئيس فيها، قبل أن تتوالى الخطوات وصولاً إلى القرار الأمريكي الأخير. اليوم دخل الدور السعودي مرحلة أخرى، إذ لم يعد الحديث مقتصراً على رفع العقوبات أو دعم استقرار سوريا سياسياً، بل انتقل إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بما بعد رفع العقوبات. لذلك وصلت إلى دمشق وفود سعودية رفيعة الأسبوع الماضي، بينها وفد برئاسة وزير النقل والخدمات اللوجستية صالح الجاسر، ووقعت اتفاقيات ومذكرات تعاون في الطرق والسكك الحديدية والنقل الجوي والخدمات البريدية، بالتوازي مع تحرك مجلس الأعمال السعودي السوري لمتابعة المشاريع المشتركة.

وبدأت الشركات السعودية تدخل فعلياً في إعادة بناء المدن السورية، ففي دمشق أطلقت مشاريع عدة أولها «شام فيو»، يضم نحو 7500 وحدة سكنية وأكثر من ألفي وحدة تجارية وفندقية، ويتسع لأكثر من 22 ألف نسمة، ومشروع «أبيات هيلز» بأكثر من ألفي وحدة سكنية، و«التجمع العمراني الحديث» بنحو 20 ألف وحدة سكنية، باستثمارات تتجاوز ملياري دولار. سوريا لا تحتاج فقط إلى قرارات ترفع عنها القيود، بل إلى طرق ومطارات ومصارف ومساكن واستثمارات وفرص عمل. وإذا كانت السياسة أعادت فتح الباب فإن الاقتصاد هو الذي سيحدد مقدار الاستفادة منه.

في الداخل، جاء تطور لا يقل أهمية، حين أعلن مظلوم عبدي الأسبوع الماضي انتهاء مهمة «قوات سوريا الديمقراطية» كقوة عسكرية مستقلة، في خطوة نحو استكمال الاندماج في مؤسسات الدولة. هذا الملف كان واحداً من أصعب الملفات السورية. فخلال السنوات الماضية لم تكن المشكلة في وجود تنوع قومي أو سياسي شمال شرقي البلاد، وإنما في تحول هذا التنوع إلى مؤسسات عسكرية وإدارية منفصلة، وإلى واقع يوجد في البلد أكثر من سلطة وأكثر من سلاح، وفي سوريا الجديدة لا تحتاج البلاد إلى إلغاء هذا التنوع، بل إلى استيعابه. عبدي اختار أن يكون الأكراد شركاء في بناء سوريا الجديدة، ومسار الاندماج حافظ على حقوقهم وخصوصيتهم الثقافية والسياسية، وهذا يمثل نموذجاً يمكن لكل مكونات سوريا أن تتبعه وأن تجد مكانها في الدولة. ولهذا فإن أهمية ما جرى مع «قسد» لا تكمن في انتصار دمشق على طرف سوري، بل في تقدم فكرة الدولة نفسها على فكرة الكيانات الموازية لها.

في مشهد آخر من التغير الذي تشهده سوريا، عادت بطاقات الدفع الدولية إلى العمل في سوريا، وسجلت عمليات عبر شبكات مثل «فيزا» و«ماستركارد» بعد انقطاع استمر أكثر من خمسة عشر عاماً. قد يبدو الأمر بسيطاً للبعض الذين تعودوا في بلدان أخرى أن يروا بطاقة تمر على جهاز دفع وتنتهي القصة خلال ثوانٍ، لكن خلف تلك الثواني في سوريا سنوات من العزلة المصرفية والتحويلات المعقدة والخوف من التعامل مع السوق السورية، لذلك لم تكن قيمة الحدث في عملية الدفع نفسها، وإنما في أن جزءاً من الجدار الذي فصل الاقتصاد السوري عن العالم بدأ يهوي. في السويداء، ظهر وجه آخر داعم لمسار الدولة، بعد أن منحت فرصة استثنائية جديدة لطلاب السويداء للتقدم إلى امتحانات الشهادة الثانوية، بعد أن حرمتهم مجموعات مسلحة تابعة للهجري من أداء الامتحانات في المرة الأولى. قد يبدو هذا الحدث صغيراً مقارنة بالعقوبات و«قسد» والاستثمارات، لكنه ليس كذلك، فالدولة لا تختبر قدرتها على ضبط الحدود أو احتكار السلاح، بل أيضاً عندما تستطيع أن تفصل بين حق طالب في التعليم وخلاف جوهري مع جماعة مسلحة تابعة لحكمت الهجري الذي أعلن مراراً ارتباطه بالاحتلال الإسرائيلي وتغول على قرار أهالي السويداء. وهذا ربما ما تحتاجه السويداء أكثر من أي شيء آخر، أن يشعر أهلها أن حضور الدولة يعني مدرسة ومستشفى وخدمة وأماناً، لا أن يظهر فقط عند وقوع أزمة.

كل هذه التطورات مهمة لكن ذلك لا يعني أن المهمة انتهت، فرفع العقوبات إنجاز كبير لكن القيمة الجوهرية له في أن يتحول إلى نمو وفرص عمل، وحين يرافق استعادة الدولة للسلاح والأمن، تطبيق سيادة القانون والعدالة الانتقالية، وتنجح البلاد في ترميم الثقة بين مكوناتها وبناء بيئة قادرة على جذب الاستثمارات.