الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي، لم يشكل ظاهرة علمية وطبية يعتد بها، بل كان ظاهرة إعلامية رخوة بامتياز لبست ثوب الطب. الرجل خرج عن تخصصه الطبي الأصلي، وحول الغذاء إلى عقيدة علاجية شاملة، وروج لما سماه «نظام الطيبات»، وجعله بروتوكولاً طبياً، يغني عن الأنسولين والكيميائي وأدوية المناعة، وغيرها من أعاجيب أتى بها. مما جعل نقابة الأطباء في مصر تسقط عضويته وإغلاق عيادته، وجهات رسمية- منها وزارة الصحة السعودية- حذرت من خطورة ما يتداول من هرطقاته!

الطب الحديث لم يبن باجتهادات عابرة، ولا تجربة شخصية من عينة «جربتها ونفعت معي»، ولا بمقطع حصد مليون مشاهدة!

فما نعرفه اليوم عن «السكري والسمنة والضغط والسرطان والتغذية والأدوية» والقائمة تطول، هو حصيلة تراكم معرفي هائل، حدث عبر قرون «تجارب سريرية ودراسات وأبحاث ومراجعات منهجية وتحليلات تراكمية وجهد متواصل من مراكز علمية وبحثية»، وملايين المرضى الذين أنتجت تجارب علاجهم معرفة تتطور باستمرار. قد يخطئ الطب ويصحح نفسه، وهذه إحدى أعظم نقاط قوته، لكنه يصحح نفسه بالمعرفة، لا بالإلهام والسفسطات، وبالدليل العلمي الموثق، لا بعدد المتابعين.


والباعث على التخوف من الأمر، تصور أن الخطر رحل مع العوضي إلى قبره، بل نستطيع القول- بكل يقين- إن الخطر لم يضمحل، بل- للأسف- ترسخ وبقوة. ففي مجتمعنا يعيش بين ظهرانينا مئات من (ضياء العوضي) بنسخة سعودية معدلة، بعضهم منخرط في المجال الطبي، ويستخدمها كواجهة لا كقيد والتزام علمي وأخلاقي! فكون الإنسان طبيبًا، لا يعني أن كل ما يقوله في الطب صحيح، فضلًا عن أن يكون متخصصًا في كل فروعه. فالطبيب نفسه مطالب بأن يعرف حدود تخصصه، وأن يميز بين «رأيه الشخصي وأقواله المثيرة للشك»، وبين ما تؤيده الأدلة. وهنا يجب ألا تتحول كلمة «دكتور» إلى تصريح مفتوح للإفتاء في كل عضو من الرأس إلى أخمص القدمين، فهذه ليست تفردًا موسوعيًا، بل قد تكون لونًا أنيقًا من ألوان الجهل المركب. أما أكثرية من يفتون من العامة، فهم لا يحملون من مؤهلات سوى رصيد عال من هوس الظهور والشهرة واستجداء الترند، عبر مقاطع مثيرة، تغلفها جمل بليدة وقاطعة من شاكلة «هذا يشفي وهذا يسمم وأوقف دواءك وتناول تلك الوصفة العشبية، وهذه الوصفة تنظف الجسم من السموم، وثانية تعيد ضبط الهرمونات، وثالثة تحرق الدهون، ورابعة ترفع المناعة»! ثم لا تتوقف هذه القائمة المرعبة عند نقطة محددة، والفارق هنا، أن العوضي كان صريحاً في شذوذه العلمي، أما النسخة المحلية فغالباً ما تكون ألطف مظهراً وأحسن إخراجاً وإقناعاً، وأبرع في تغليف الخرافة بـ(الوقاية خير من العلاج)، و(الطب الشعبي المجرب)، و(الخبرة العملية والحالات المجربة)!

لذلك نحن بحاجة ماسة في مجتمعنا إلى معيار بسيط قبل الانبهار بأي اكتشاف «عنتري» صحي في وسائل الإعلام. وتفاصيل هذا المعيار تقود إلى طرح الأسئلة الجوهرية: أين الدليل، وما هي الدراسة العلمية والبحثية التي استندت عليها تلك الأطروحات، وأين نشرت وما نوعها وهل تكررت نتائجها، وهل تتفق معها الهيئات العلمية المتخصصة، وهل المتحدث أصلًا صاحب اختصاص علمي؟

العلم لا يعرف «قال فلان أو سمعت علان أو جربها زيد، أو نصح بها عمرو»، ومهما بلغ عدد «متابعي زيد وعمرو» فالعلم لا يعرف سوى الدليل وقوته وقابليته للفحص والنقد والتكرار. لسنا ضد الاجتهاد المقنن الصحيح، ولا النصيحة العامة الموثوقة، لكننا ضد الاستهانة، حيث لا قطع ولا جزم إلا بدليل، ونرفض تحويل الرأي الشخصي إلى بروتوكول طبي ينصح به، ومخاطبة مريض السكري كما تخاطب مجموعة واتساب، واستغلال قلق الأم على ابنها وهلع مريض من اعتلال الكلى، وارتباك امرأة أمام الميزان، نبيع لهم الوهم القاتل والطمأنة المغشوشة، بثمن بخس، من شهرة زائفة، وعائد مادي مسموم!

ثم يأتي السؤال الذي نتهرب منه، من يصنع هؤلاء؟

الجمهور يصنعهم أولاً، فنحن من نكافئ الجملة الشاذة أكثر من الجملة الدقيقة، ونحن من نحب من يقول «الآراء الملفقة» حتى لو كانت مجرد جهل مركب. والإعلام يصنعهم ثانياً، فحين يستضاف صاحب الادعاء المزعوم، فقط لأنه يثير الجدل ويجلب المشاهدات، لا لأنه يملك معلومة طبية محوكمة. والمنصات تصنعهم ثالثاً، لأن الترندات تعشق المحتويات المبهرة، المستدعية للغط واسع.

الإشكالية ليست في ضياء العوضي وحده، فالرجل رحل وبقيت الظاهرة، وربما تكاثرت نسخها. العوضي أسس هذه المدرسة الخرافية ولها فروع في كل مكان! المعضلة الحقيقية تكمن في بيئة تسمح لكل من امتلك حسابًا ومنبرًا وجرأة على القوانين واللوائح المنظمة للنشر، أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى مرجع في صحة الناس، فينسف بجملة خرقاء ومرتجلة، ما احتاج الطب إلى عقود من البحث والتجربة لإثباته. الطب لا يختزل في مجلس سمر، ولا منصة إعلامية رعناء، بل علم توزن فيه الكلمة بالدليل. فقد يكون ثمن الكلمة الخاطئة، تدهور صحة إنسان أو فقدان حياته، وعلى «هيئة تنظيم الإعلام»، أن تؤدي دورها كاملاً وتقف بحزم أمام هذه الظاهرة، فتمنع تحويل المنصات الإعلامية إلى عيادات وهمية، والمحتوىات الجوفاء إلى فتاوى طبية بلا دليل، لأن «حماية الوعي جزء من حماية الصحة».

التساهل مع «الهرطقات الطبية» ليس حياداً وليس من أبواب حرية الرأي، بل مشاركة كاملة في ضررها البالغ، وحتى يعلم من يتاجر بالأوهام والخلطات، أن الفضاء العام ليس مشاعاً للخرافة، وأن حماية المجتمع تبدأ من ضبط الكلمة، قبل أن تتحول إلى داء عضال.