فالمثقفون الذين صنعوا لأنفسهم مكانا راسخا في كتب التاريخ والحضارة العالمية سواء في الشرق أو الغرب أو حتى في التاريخ الإسلامي القديم، تركوا مناهج مهمة للسياسيين والاقتصاديين، واستطاعوا عبر مشاريعهم الحضارية والفكرية، أن يؤثروا بعمق في مجريات الأحداث والرأي العالمي. قدم هؤلاء أفكارهم وأطروحاتهم ونظرياتهم ليجري تداولها في جميع أنحاء العالم. بل إن حكومات كبرى عملت بسياساتهم وأفكارهم. ومن أمثلة هؤلاء «كارل ماركس» ومفهوم الاشتراكية، و«ماكس فيبر» وتحليله للرأسمالية، و«فيلفريدو باريتو» صاحب نظرية النخبة، وصولا إلى «صموئيل هنتنغتون» الذي أثرت أطروحته عن صدام الحضارات، و«هنري كيسنجر» التي أعتمد بعض أفكار السياسيين من صناع القرار، وفي أروقة مراكز التفكير والمنتديات العالمية في منهجه.
إزاء هذه الشواهد، نجد أنفسنا أمام سؤال يحدد بوصلة الاتجاه الذي يجب أن نسلكه، وهو ما سر نجاح هؤلاء المثقفين والمفكرين في نشر أفكارهم وتحويلها إلى سياسات ومناهج والاستشهاد بها؟ وأين المثقف الخليجي - السعودي على وجه الخصوص - من إيصال أفكاره وأطروحاته وإقناع العالم بها؟ هل يعود السبب إلى عدم قدرته على إنتاج أفكار عالمية، تواكب الأحداث أو تقود العالم، خاصة أننا أصحاب حضارة وتاريخ؟ أم أن دوره انحصر في أن يكون قارئا لأفكار الغرب والشرق، وناقلا للأفكار القادمة من هناك، باعتبارها علامات التفكير والإنتاج والابتكار والثقافة؟ أم أن الإشكالية تكمن في الإمكانات والممكنات؟
الحقائق التاريخية تؤكد عكس ذلك لأن البيئة العربية والإسلامية كانت دائما مهدا للأفكار العابرة للقارات. فقد بنى الغرب جزءا أساسيا من حضارته على أفكار ابن رشد وشروحه لفلسفة أرسطو، التي لم تكن متاحة لفلاسفة الغرب باللغة اللاتينية في العصور الوسطى.
ورغم غياب وسائل التواصل والنشر الحديثة آنذاك، فقد انتشرت أفكار ابن رشد انتشارا واسعا. كما تأثرت بعض الأفكار الفلسفية الغربية بطرح ابن خلدون في فلسفة العمران والدولة، وصيغت مفاهيم غربية انطلاقا من أطروحات عربية. لكننا نجد أنفسنا اليوم نمارس سلوكيات فكرية وفق مفاهيم غربية. وأصبح المثقف الخليجي أسيرا لتلك المفاهيم ولم يخرج منها. هنا لا أبرئ نفسي من هذا الفخ الفكري. لكنني أرى أن اليوم يمثل فرصة سانحة وكبيرة، لأن العالم ومراكز التفكير والمنتديات العالمية في حالة تعطش لأطروحات جديدة في الاقتصاد والسياسة والثقافة والفكر وبناء المجتمعات.
في ظل الانفتاح الرقمي غير المسبوق، تتشكل فرصة تاريخية أمام المثقف الخليجي ليطلق العنان لأفكاره ونظرياته، كي تصبح منتجا عالميا. عليه أن يتحرر من الانكفاء على الشأن الداخلي، ومن الاكتفاء بالتحليل والتفسير، دون تقديم الحلول، فالمجتمعات الأخرى والمحافل الدولية تتحمس دائما لسماع الصوت الآخر وأطروحاته، والاطلاع على تجارب ناجحة كتبت بطرق علمية ومناهج تدرس في الجامعات الكبرى.
في اعتقادي أن دور وزارات الثقافة يكمن في دعم مثل هذا المشروع الحضاري. فالبيئة الخليجية تزخر اليوم بتجارب جديرة بالنمذجة والتصدير، مثل علاقة الحاكم بالمحكوم والمواطنة الصالحة، والرفاه الاقتصادي والاستقرار الفكري، ومبادرات السلام التي تشكل جوهر الخطاب السياسي الخليجي. غير أن هذا التأثير المنشود لن يتحقق بالجهود الفردية العفوية. بل يستدعي تحركا مؤسسيا تقوده وزارات الثقافة عبر إطلاق برنامج دولي لتصدير الثقافة والفكر الخليجي. ويتولى هذا البرنامج مأسسة الترجمة العكسية للأطروحات والدراسات المحلية ونشرها عبر دور النشر الأكاديمية العالمية. كما يعمل على تأسيس كراسي علمية في الجامعات الكبرى تدرس النماذج التنموية والاجتماعية الوطنية. ويتطلب ذلك أيضا نقل المشاركات الثقافية في المحافل الدولية من قالب العرض التراثي، إلى ندوات فكرية رفيعة المستوى، يناقش فيها المفكر الخليجي قضايا العالم المعاصر بلغة الأدلة والبراهين.
الدور الحقيقي للمثقف الخليجي اليوم، هو أن يخرج من ضيق الاستهلاك الفكري، إلى سعة التأثير العالمي، مستندا إلى واقع مجتمعه المستقر وسباقه المحموم نحو الريادة، وأن ينشر أفكاره بجميع لغات العالم، وبين صناع القرار في كل المنصات والمحافل الدولية.