تمثل لعبة Stray نموذجا بصريا وفنيا لتجسيد الدراما الغنوصية ومأساة «صوفيا» في قالب من الخيال العلمي. ورغم أن اللعبة تقدم ظاهريا كرحلة قطة محاصرة في مدينة منسية، إلا أن بنيتها السردية وعالمها الموحش يحكيان القصة الغنوصية ذاتها، ولكن برموز تكنولوجية. هذه اللعبة الطفولية استطاعت تصوير حالة الاغتراب والضياع والإحساس بعبثية الوجود وعدميته، التي نجدها في أعمال أدباء ومفكري أوروبا.
القطة هنا تلعب دور صوفيا المرتبطة بكلمة (philosophy) التي تتكون من مقطعين (philo-sophia) صوفيا هنا كلمة يونانية تعني الحكمة، ولكنها ليست الحكمة كما يعرفها بقية شعوب العالم بمختلف ثقافاتهم ومعتقداتهم. صوفيا إحدى أبرز الشخصيات الرمزية في الأسطورة الغنوصية حيث ترمز للسقوط الإلهي، والشرخ بين عالم النور والأبدية وعالم المادة الفاني. ونتيجة لسقوط صوفيا ذات الأصل الإلهي أنجبت صوفيا كائنا مشوها يدعى (Demurge) وهو من خلق العالم المادي الكثيف وسجن الأرواح البشرية فيه.
تمثل صوفيا في الغنوصية رمزا للنفس البشرية المغتربة والباكية التي تتوق للعودة إلى عالم النور. وهنا نجد جملة من التقاطعات بين قصة صوفيا في الأسطورة اليونانية، ولعبة القطة التائهة التي سقطت في عالم سفلي ومظلم ومغلق بأسوار هائلة يغيب عنها نور الشمس الحقيقي. في اللعبة تحكم المدينة بواسطة نظام آلي مغلق وشبكة أمنية تبقي الروبوتات محتجزة بالداخل، وتوهمهم أن العالمي الخارجي ليس إلا وهما أو مكانا مدمرا ومميتا.
تشبه معاناة القطة الضائعة معاناة صوفيا حيث عاشت حالة من الرعب والحزن والاغتراب والشوق للعودة، والبحث عن معنى لهذا الوجود الموحش. هذه العواطف النفسية التي عاشتها صوفيا هي ما تحول لاحقا إلى أدب اغتراب وأفكار تنتج مشاعر العبث والعدمية عند فلاسفة أوروبا. القطة تلعب دور المخلص النقي القادم من العالم العلوي المشمس، كائن بلا أطماع ولا أيديولوجيا يهبط إلى القاع المظلم ليحفز الروبوتات المسجونة ويوقظ حنينها للحرية والنور.
بالتالي يمكن فهم ثقافة الفلاسفة للكون والحياة من خلال قصة صوفيا المجسدة في لعبة Stray في قطة تائهة تلعب دورا تنويريا. الفلسفة عند الشعوب (اليونانية - الأوروبية) ليست مجرد ترف فكري بل فعل تحرير وخلاص وسحب للنفس من ظلام الجهل إلى نور الحقيقة. الفلسفة طريقة خلاص روحي من قيود العالم المادي الموحش وشكل من أشكال العلاج النفسي أو التطهر الروحي.
صوفيا ليست مجرد مفهوم مجرد يعني الحكمة التي نجد لها مرادفات في شتى ثقافات العالم بل هي جوهر روحي ونوراني يمكن الوصول إليها بواسطة الغنوص والمعرفة الإشراقية الكشفية للاتصال بصوفيا وعالم النور. القطة هنا تلعب دور الفيلسوف الحكيم الذي ينتمي بحكمته لعالم علوي ولا يخضع لبرمجيات المدينة ولا لقصورها العقلي، وتتمحور وظيفته في إيقاظ الوعي عند الجموع الغافلة وتحفيزهم على التفكير.
القطة تقدم التضحيات للمجتمع الغارق في الظلامية، فهي تتسلق الأنابيب وتفتح الثغرات وتتجاوز الحراس والأنظمة الأمنية، كالفيلسوف الذي يضحي بنفسه من أجل تنوير البشرية وتحريرها من قوى الظلام حتى لو تعرض للإقصاء أو الإعدام أو الحرق حيا. القطة ليست مجرد بطل قصصي في لعبة إلكترونية بل مجاز عن الفيلسوف الحكيم الكائن المغترب الذي يسعى بحكمته الغنوصية، لتحطيم أوهام الجماعة للوصول إلى عالم النور والتحرر من ظلمات العالم المادي.