بالنظر إلى العملية التعليمية، وهي تربوية في الأساس تجمع بين التعليم الابتدائي والعالي وما بينهما في القطاعين الحكومي والخاص، أدركنا أهمية موضوع التعليم وتعقيداته. كل هذا معروف، وقد تم التعامل معه باقتدار. غير أن العصر يفرض تحديات جمة ليس على قطاع التعليم فقط، بل كل قطاعات التنمية، لكن التعليم هو الأشد تأثرا. الحديث هنا عن طوفان المعلومات الذي يحاصر قطاع التعليم من كل جانب. كان امتلاك المعلومة امتيازا حصريا للمدرسة والجامعة، أما اليوم فقد أصبح العلم متوفرا حتى للأمي بمجرد ضغطة زر على جواله.
في سياق جديد كلية كهذا، كيف يمكن بناء رؤيا شاملة ناجزة للتعليم؟ وكيف يمكن التوفيق بين من يرى في التعليم عملية معرفية، تزود صاحبها بوسائل الفكر والتفكير والتأمل لمواجهة الحياة، وبين من لا يرى في التعليم سوى جسر عبور للتوظيف في أي مجال كان؟
وماذا عن محتوى التعليم أدبا أم علما أم تطبيقا لهما؟ وماذا عن الهيكلية الإدارية التي تؤطر هذا العمل كله؟ واطرح من الأسئلة ما شئت. لنتخيل فقط تاريخ التعليم لدينا من الكتاتيب إلى آخر ما أنتجه الذكاء الاصطناعي.
بالأمس القريب اختفت السبورة الخشبية بطباشيرها التي تترك أثرا يصعب على الأستاذ محوه لجماله، تماما كما هو الأثر الذي تتركه في أذهان الطلبة. ثم حلت محلها السبورة البيضاء الناعمة وأقلامها التي تنزلق عليها المعلومة بسرعة كتابتها. ولم تلبث هذه أن اختفت أمام السبورة الرقمية وأزرارها، وهذه اختفت معها المعلومة وسط طوفان طريقة استخدام السبورة ذاتها. وهذه الأخيرة بدورها تمر بتحولات مستمرة، ولا يعرف إن كانت هناك نهاية واضحة لما بدأ بلوح خشبي بسيط يسمى السبورة.
التعليم عملية بسيطة بساطة المفهوم نفسه، لكن تقلبات العصر والتحولات التقنية وما يرافقها من تحولات اقتصادية واجتماعية، وأساليب في العيش والإدارة، جلبت معها مفاهيم وأنظمة وطرقا، انتقل فيها مفهوم التعليم من مفهوم غاية في البساطة إلى مفهوم في غاية التعقيد.
نعيش في عصر تجاوزت مسمياته عصر الإنترنت أو العولمة أو السوشال ميديا. نعيش في عصر الطوفان. طوفان بحق يجتث كل ما اعترض سبيله (تماما كما فعل طوفان الانهيار الثلجي في نيبال الأسبوع المنصرم). فقد تجاوزت الثورة المعلوماتية كل الحواجز والأطر التي كانت مخططة لها. في طوفان كهذا كيف يمكن للمدرس (سواء أكان في مدرسة ابتدائية أم في فصل جامعي) أن يشرح لتلاميذه موضوع درسه، ونقرة واحدة من أي منهم على جواله تفوق ما سيلقنهم بمراحل متقدمة في المحتوى والعرض وطرق التفكير؟
ما كان يأخذ من المقرر طوال فصل كامل في أي مادة، يختزل الآن في ساعة زمن رقمية أو أقل من ذلك. وماذا بقي للمعلم أن يعلمه في أي مرحلة كانت؟ في وضع كهذا الجهاز المعني بالتعليم بحاجة إلى الوقوف مليا أمام هذا الطوفان، ودرس انجع السبل للتعامل معه.
وفي عجالة بسيطة يجب أن يكون للدراسات الإنسانية (بكل فروعها من فلسفة وتاريخ وفن....إلخ) نصيب وافر من الاهتمام.
وبالدرجة نفسها من الأهمية، يكون نصيب العلوم الأساسية كما هو متبع حاليا.
ويبقى دمج المعرفة النظرية بالتطبيق الواقعي مطلبا ملحا لربط العلم بالواقع، لربط النظرية بالتطبيق ولربط التعليم بسوق العمل. ويبقى البحث العلمي الموجه نحو أهداف التنمية الوطنية في كل مجالات الحياة، وتفعيله بدراسات ميدانية تطبيقية على أرض الواقع، مطلبا ملحا. في سياق كهذا أيضا، ربما حان الوقت لتغليب إعداد الكادر الأكاديمي والتقني على الجانب الإداري، وتوجيه هذا الأخير لخدمة المحتوى الأكاديمي والتقني ذاته.