مع التحولات الدراماتيكية والمشاريع الكبرى التي شهدتها المملكة خلال السنوات الماضية في ظل رؤية السعودية 2030، تغيّر وجه الوطن بصورة غير مسبوقة. مشاريع ضخمة، كيانات جديدة، قطاعات مستحدثة، واستثمارات بمئات المليارات؛ كل ذلك خلق بيئة إدارية واقتصادية جديدة احتاجت إلى نوع مختلف من القيادات والخبرات.

وفي خضم هذه التحولات، سطع نجم فئة مهنية بشكل واضح: المصرفيون (Bankers).

لم يكن ذلك مفاجئًا تمامًا. فغالبًا ما يميل المصرفي عندما يصبح مسئولا، ويبدأ بتشكيل فريقه، إلى الاستعانة بمن يعرفهم ويثق بهم أو بمن ينتمون إلى المجال نفسه. وكما يقول المثل: «اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفه». الشخص الذي يأتي من البيئة المهنية نفسها يفهم لغة الإدارة وطريقة التفكير والقرارات بصورة أسرع، بينما يحتاج القادم من قطاع مختلف إلى وقت أطول للتأقلم وفهم الثقافة المؤسسية.


لكن صعود المصرفيين لم يكن بسبب ذلك وحده.

من العوامل التي عززت حضور المصرفيين أيضًا التوسع الكبير في دور الشركات الاستشارية العالمية داخل المشاريع والمبادرات والكيانات الجديدة المرتبطة بالرؤية.

والعلاقة بين عالم المصارف والاستشارات ليست جديدة؛ فهي علاقة تمتد لعقود في مختلف أنحاء العالم، بحكم التقاطع الكبير بين التمويل والاستثمار ودراسات الجدوى وإدارة المخاطر واتخاذ القرار.

فعادةً لا يكاد مشروع تمويلي كبير يمر من دون دراسة جدوى أو تقييم من شركة استشارية كبرى. وفي المقابل، يمكن أن يصبح وجود الاستشاري نوعًا من الحماية المؤسسية (درعًا) للمصرفي: إذا حدثت مشكلة لاحقًا في المشروع أو التمويل، يستطيع المسؤول القول إن القرار استند إلى دراسة وتقييم من جهة استشارية متخصصة.

وهنا نشأ، في بعض الحالات، نوع من الاعتماد المتبادل بين المصرفيين والاستشاريين.

ثم هناك سبب آخر لكثرة المصرفيين في مشاريع الرؤية: المشاريع الكبرى تحتاج إلى الأكسجين لكي تعيش وتنمو، وهذا الأكسجين هو التمويل.

والمصرفيون - بطبيعة الحال - هم الأقرب إلى عالم التمويل، والأرقام، والاستثمارات، وهيكلة رأس المال، وإدارة المخاطر.

كما يجب ألا نغفل عن نقطة أخرى مهمة، فقد ساد اعتقاد بأن الشخص الذي يتحدث لغة المال والاستثمار قد يكون أكثر قدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية ورأس المال الدولي.

وهكذا، كان من الطبيعي أن يحتل المصرفيون موقعًا متقدمًا في المرحلة الأولى من التحول الاقتصادي.

مع مرور السنوات واتساع نطاق الرؤية، أنجزت المملكة العديد من المشاريع الإستراتيجية الكبرى، وبعضها حقق نجاحات لافتة بكل المقاييس.

وفي المقابل، شهدت بعض المشاريع تأخيرات أو إعادة هيكلة أو تعديلات في النطاق والتكلفة والجدول الزمني.

وهذا بحد ذاته ليس أمرًا استثنائيًا؛ فالمشاريع الكبرى في جميع أنحاء العالم تتعرض للتغيير وإعادة التقييم. بل إن إحدى نقاط قوة الرؤية هي أنها ليست مشروعًا جامدًا، وإنما إطار ديناميكي قابل للتطوير والتعديل والاستجابة للمتغيرات.

لكن التجربة أيضًا أفرزت مجموعة من الدروس المهمة.

من أبرزها أن بعض المشاريع ربما بنيت على توقعات متفائلة أكثر من اللازم، أو نماذج مالية واستشارية لم تكن دائمًا متطابقة مع تعقيدات التنفيذ على أرض الواقع.

وهنا بدأت تظهر تساؤلات أكثر جوهرية:

هل يمكن إدارة مشروع ضخم ومعقد من خلال الأرقام والنماذج والعروض التقديمية فقط؟

وهل النجاح في تحليل المشروع أو تمويله يعني بالضرورة القدرة على تنفيذه وإدارته؟

الإجابة، في رأيي، ليست دائمًا نعم.

المصرفي بطبيعته يتعامل مع الأرقام، العوائد، المخاطر، التدفقات النقدية، التمويل، والجدوى الاقتصادية.

لكن المشروع عندما ينتقل من الورق إلى أرض الواقع يصبح شيئًا مختلفًا تمامًا.

هناك عمال ومقاولون ومهندسون وموردون وموافقات ومشاكل يومية وتغييرات في التصميم وتأخر في التوريد وتحديات لوجستية وعوائق فنية ومطالبات مالية ومخاطر لم تكن موجودة في النموذج المالي الأصلي.

المشروع الحقيقي ليس Excel Sheet.

إنه كائن حي يتحرك يوميًا.

وهنا تظهر قيمة الخبرة العملية في إدارة المشاريع.

قد يكون الشخص عبقريًا في التمويل والاستثمار، لكنه لم يدر في حياته أي مشروع إنشائي ضخم أو مصنع أو منشأة طاقة أو بنية تحتية معقدة.

وهذا لا يعني أن المصرفي غير قادر على النجاح في الإدارة؛ بل يعني أن مهارات إدارة المال تختلف عن مهارات إدارة التنفيذ.

وهذا فرق جوهري يجب ألا نتجاهله.

هناك أيضًا مفارقة مهمة أخرى يرددها البعض، وإن كانت تحتاج إلى إثبات في كل حالة على حدة:

أن الشخص الذي كان مصرفيًا داخل بنك ربما كان سيتعامل مع المشروع نفسه بصورة أكثر تحفظًا لو كان المشروع معروضًا أمامه لتمويله.

ربما كان سيطلب المزيد من الدراسات، واللجان، والضمانات، وإعادة النظر في الافتراضات، وأرقامًا أكثر تحفظًا، وربحية أكثر وضوحًا.

لكن عندما ينتقل الشخص نفسه إلى موقع اتخاذ القرار في مشروع حكومي أو شبه حكومي في كيان جديد، فيصبح فجأة (كريم سبلا!) وقد يصبح أكثر تساهلًا مع المشروع الذي أصبح مسؤولًا عنه.

وفي الجانب الآخر، هناك تجربة مختلفة تستحق الدراسة.

هناك مشاريع ضخمة أدارتها قيادات هندسية وحققت نتائج قوية، وفي كثير من الحالات التزمت بدرجة عالية من الانضباط في التكلفة والوقت والجودة.

ولعل تجربة مهندسي أرامكو في إدارة المشاريع الكبرى مثال بارز على ذلك؛ وكذلك العديد من مشاريع الطاقة والبنية التحتية التي قادها مهندسون خارج أرامكو.

الفكرة هنا ليست أن المهندس أفضل من المصرفي.

بل إن طبيعة التدريب والخبرة مختلفة.

المهندس يتعلم منذ البداية أن هناك شيئًا اسمه التنفيذ.

وهذه العقلية التنفيذية قد تكون ذات قيمة هائلة في المرحلة القادمة من الرؤية.

بالطبع، ليس كل شيء ورديًا. هناك من يقول إن التعامل مع بعض المهندسين قد يكون صعبًا، وإن المهندس أحيانًا يعيش في عالمه الخاص ويكون شديد التمسك بتفاصيله الفنية، وقد لا يكون بالضرورة أفضل شخص في المهارات الاجتماعية أو السياسية أو التواصلية.

وأجد صعوبة في نفي ذلك بالكامل. وهذا ما سأوضحه في مقالة تالية.