ويُروى عن الأصمعي أنه رأى رجلاً في البادية بلغ (120 )عاماً، فسأله عن أسباب نشاطه وقوته وهو في هذا العمر فقال:
تركت الحسد فبقي الجسد.
إلا أننا كمسلمين، نؤمن بأن الأعمار بيد الله سبحانه وتعالى ، والأجل المكتوب إذا حان لايمكن تقديمه أو تأخيره.
وحين سُئل الأديب الساخر جورج برنارد شو عن الرياضة التي يُفضل ممارستها لإطالة العمر ، أجاب متهكماً :
إنني لم أمارس سوى رياضة المشي، في جنائز أصدقائي الذين كانوا يمارسون الرياضة!
ومن أقدم الكتب في هذا المجال كتاب "المعمرين من العرب وطرف أخبارهم" لمؤلفه أبوحاتم بن سهل البصري المتوفي سنة255 للهجرة ، جمع فيه أقوال المعمرين ومراحل حياتهم وذكرياتهم ووصاياهم.
وقبل ثلاثة عقود أصدر المؤرخ عبدالغني المالكي بالإشتراك مع سعد الدين أونال كتاباً بعنوان "تاريخ الحج من خلال الحجاج المعمرين "، وفي عام 1432 هجرية أصدر المؤرخ والباحث فايز البدراني كتاباً بعنوان" روايات المسنين وأخبار المعمرين".
ونفى البدراني في لقاء صحفي قبل عقد واكثر، وجود معمرين في الجزيرة العربية، تجاوزت أعمارهم حاجز المائة وعشرة أعوام .
وقال: إن وجود ذلك في تراثنا الثقافي قديماً وحديثاً ، يعود إلى ثقافة التلقي السائدة ، واستماع ونقل كثير من الرواة إلى مبالغات كبار السن.
وفي لفتة أدبية وتاريخية توثيقية رائعة ،وفكرة هي الأولى على مستوى المنطقة ، صدر مؤخراً عن دار المع للثقافة والتراث بأبها كتاب ثري المحتوى عنوانه "المعمرون في رجال ألمع ووادي خيم " من إعداد وتوثيق الباحث المؤرخ محمد بن علي آل عبدالمتعالي ،الذي
أثبت بما لايدع مجالاً للشك حقيقة أعمار من التقى بهم شخصيا.
واستعرض الكتاب الذي يقع في مائة وستين صفحة حياة حافلة بالذكريات، وبعض الصور والمراسلات ،والوثائق لخمسة مُعَمَرِين وهم ،"هادي بن محمد الأسلمي ، علي بن عامر مشرم، أحمد بن عبدالله آل حاصي، محمد بن محمد آل مضواح ، محمد بن يحيى آل عبدالمتعالي" . ويُصنف الكتاب كتوثيق "بيوغرافي" ، ومصدرا من مصادر التاريخ الشفوي ، كونه قدم سرداً عن حياة طويلة بفضل الله عاشها أولئك ، وما رصدوه من أحداث ، ومواقف، وتفاصيل إجتماعية تحمل في دلالتها قيماً وشيماً وحكمة.
وقال الباحث محمد آل عبدالمتعالي في كلمة تصدرت الكتاب : "في زوايا التاريخ عبرالزمان ،وفي أعماق الذاكرة الشعبية يقف خمسة من المعمرين شهود عيان على مرحلة تجاوزت أعمارهم فيها مابين مائة عام إلى مائة وخمسين عاماً". وأضاف: "هؤلاء المعمرون لايمثلون فقط بقاءً بيولوجياً نادراً، بل ذاكرة حية تختزن سيرة مجتمعات بأكملها ،وتجسد روح الإنسان القادرة على النجاة والفهم والتأمل في دورة الحياة ، ومن خلال سيرهم نستطيع أن نقترب من ماضٍ بعيد لم نكن جزءاً منه ولكنهم يجعلونه حياً بكلماتهم ، ونبرات
أصوا تهم،ونظرات عيونهم التي رأت مالم نره".
وروى لي مدير عام التعليم بمنطقة عسير الأسبق مهدي بن إبراهيم الراقدي ذات مساء، قصة باحث ومؤرخ أوربي يُدعى"بل هسكا" قدم إلى المملكة قبل أكثر من نصف قرن في مهمة رصد وتوثيق للمعمرين في تهامة عسير، بعد إطلاعه في بلده على بعض المعلومات التاريخية عن المنطقة. وقال : وصل الباحث إلى أبها ومعه مندوب وزارة الإعلام آنذاك الكاتب والقاص محمد بن علي علوان
"رحمه الله" ، وطلبا مني مرافقتهما إلى تهامة عسير عن طريق عقبة ضلع. وأضاف : قمنا بجولة على مجموعة من القرى والتقى الباحث ببعض المواطنين من كبار السن، وكان يُدَون على أوراقه إجابات أسئلة طرحها عليهم ،والتقط صوراً فوتوغرافية.
وكشف الراقدي أنه تلقى آنذاك ، وبعد فترة ليست بالقصيرة رسالة باللغة الإنجليزية من الباحث عن طريق البريد يشكره فيها على تعاونه ومساعدته لانجاز مهمته.
وهو يعمل هذه الأيام للبحث عنها في مكتبته الخاصة المليئة بالكتب والأوراق والمذكرات، لعله يعثر عليها لمعرفة عنوان الباحث، وهل أصدر كتاباً أو دراسة عن تلك الرحلة؟.