ولم تكن هذه الرحلة عبر القرون مجرد عبور للماء إلى البحر؛ ففي الطريق كانت السيول تروي أرضًا، وتودع طميًا، وتتسلل بين الرمل والحصى إلى باطن الأرض، فتغذي الخزانات الجوفية وتمنح الزراعة أسباب الحياة. كانت الأرض تأخذ نصيبها من الماء، ثم يواصل ما بقي رحلته نحو البحر.
متى تصبح رحلة السيل إلى البحر رحلة عطاء؟
حين لا يكون همنا أن نحبس كل قطرة، ولا أن نسارع بتمرير كل قطرة إلى البحر. ففي بلاد يُعد الماء فيها أثمن مواردها، تبدو المفارقة لافتة: ننتظر المطر شهورًا، ثم قد تمر كميات كبيرة من مياهه خلال أيام أو ساعات.
الحكمة إذن ليست في قطع رحلة الماء، وإنما في إطالتها بما يكفي لتأخذ الأرض والخزانات الجوفية والزراعة والبيئة نصيبها. عندها تصبح رحلة السيل من السروات إلى البحر رحلة عطاء، لا مجرد رحلة عبور.
أليست السدود كافية للاستفادة من مياه السيول؟
السدود منشآت بالغة الأهمية؛ فهي تحمي المدن والقرى والمنشآت، وتنظم الجريان وتحتجز المياه. لكن السد، مهما بلغت سعته، ينبغي ألا يكون المحطة الأخيرة في إدارة مياه الوادي.
فالسؤال الأهم يبدأ بعد أن تهدأ السيول خلفه: ماذا سنفعل بهذا الماء؟
حين تبقى المياه خلف السدود فترات طويلة، يفقد جزء منها بالتبخر، وتتراكم الرواسب مع الزمن. أما حين تُدار التصريفات وفق معرفة دقيقة بطبيعة الوادي والخزان الجوفي واحتياجات الزراعة والبيئة، فيتحول السد من مجرد منشأة لحجز الماء إلى بوابة لإدارة المورد المائي.
كيف نحول جزءًا من مياه السيول إلى مخزون تحت الأرض؟
يمكن إطلاق المياه من السدود في أوقات وكميات مدروسة، لتعود إلى مجرى الوادي وتسير فوق المناطق ذات الرواسب النفاذة، فتتسلل بين الرمل والحصى إلى الأعماق. وهناك، بعيدًا عن شمس تهامة وحرارتها، يتحول جزء من السيل الموسمي إلى رصيد محفوظ في باطن الأرض.
ويمكن تعزيز ذلك من خلال أحواض الانتشار؛ وهي مواقع تُختار بعناية لاستقبال المياه ونشرها على مساحة أوسع. والفكرة في جوهرها بسيطة: أن نبطئ خطى الماء فوق الأرض، حتى يجد طريقه إلى الخزان تحتها.
وفي المواقع التي تكون فيها الطبقات السطحية أقل نفاذية بينما توجد في الأعماق تكوينات مناسبة للتخزين، يمكن دراسة استخدام آبار التغذية أو الحقن، بعد ما يلزم من ترسيب أو معالجة ومراقبة لنوعية المياه.
ويمكن كذلك إنشاء منشآت صغيرة ومتوسطة على امتداد الأودية وروافدها لإبطاء الجريان ونشر المياه وزيادة فرص تسربها. وبدل أن يسلك الماء طريقًا واحدًا سريعًا، نصنع له سلسلة من محطات العطاء، يترك في كل محطة جزءًا من خيره ثم يواصل طريقه.
ولماذا نخزن جزءًا من الماء تحت الأرض؟
لأن الخزان الجوفي مخزن طبيعي هائل، يحفظ الماء بعيدًا عن معدلات التبخر المرتفعة، ويتيح الاستفادة منه بعد انتهاء موسم السيول. كما أن المحافظة على مناسيب المياه الجوفية مهمة لاستدامة الزراعة والآبار والبيئة.
وتزداد أهمية ذلك عند اقتراب الأودية من الساحل، حيث يصبح التوازن بين المياه العذبة ومياه البحر أكثر حساسية. فكلما حافظنا على مناسيب المياه العذبة، وأحسنا تغذية الخزان وقللنا استنزافه، ساعد ذلك في الحد من تقدم المياه المالحة إلى الداخل. وهكذا قد تصبح قطرة السيل التي اختفت بين الحصى في أعلى السهل خط دفاع صامتًا عن مياهنا الجوفية قرب الساحل.
وهل معنى ذلك ألا تصل مياه السيول إلى البحر؟
لا. فالبحر ليس خصمًا للوادي، بل هو نهايته الطبيعية.
المصبات والبيئات الساحلية والبحرية تحتاج هي الأخرى إلى نصيب من الجريان وما تحمله الأودية من رواسب وعناصر مرتبطة بالنظام الطبيعي. ولذلك فإن الإدارة الحكيمة لا ترفع شعار «لا ماء إلى البحر»، وإنما تسأل: كم تحتاج الأرض؟ وكم يستطيع الخزان الجوفي أن يستقبل؟ وما حاجة الزراعة والبيئة؟ وكم ينبغي أن يكمل رحلته إلى المصب والبحر؟
فالهدف ليس منع الماء من الوصول إلى البحر، وإنما أن يترك نصيبه من الحياة على امتداد الطريق.
هل تصلح طريقة واحدة لإدارة جميع أودية تهامة؟
لا؛ فلكل وادٍ شخصيته المائية. تختلف أودية جازان عن أودية تهامة عسير، وهذه تختلف عن أودية القنفذة والليث وما يليها شمالًا. تختلف كميات الأمطار ومساحات الأحواض، كما تختلف الصخور والرواسب وأعماق المياه الجوفية والزراعة والعمران.
ولذلك ينبغي أن يصبح حوض الوادي وحدةً للتخطيط والإدارة. فتكون لكل وادٍ خريطته المائية: أين يهطل المطر؟ وأين يتجمع؟ وكم يجري منه؟ وأين تتسرب المياه؟ وأين توجد أفضل مناطق التغذية الجوفية؟ وما حالة الخزان ونوعية مياهه؟ وما الأراضي الزراعية التي يمكن أن تنتفع بالماء؟ وما حاجة المصب والبيئة الساحلية؟
ومن أين نبدأ؟
يمكن أن تكون البداية باختيار عدد من الأودية التي تمثل البيئات المختلفة في تهامة، ورصد المطر والجريان والمياه الجوفية فيها، وإعداد خرائط دقيقة لمناطق التغذية، ثم تجربة منظومات تجمع بين الإدارة المدروسة لتصريفات السدود، وأحواض الانتشار، ومنشآت إبطاء الجريان، وآبار التغذية حيث تكون مناسبة.
وبعد عدة مواسم مطرية، لا يكون السؤال فقط: كم مترًا مكعبًا مرَّ في الوادي؟ بل يصبح السؤال الأهم: كم مترًا مكعبًا استطعنا أن نجعله يبقى داخل المنظومة المائية؟ وكم عاد إلى الخزان الجوفي؟ وكيف تغيرت مناسيب المياه ونوعيتها؟ وما نصيب الزراعة والبيئة من ذلك؟
إن تهامة لا تحتاج فقط إلى البحث عن مصادر جديدة للمياه؛ بل تحتاج أيضًا إلى أن تحسن استقبال الماء حين يأتيها. فكم تبدو المفارقة مؤلمة حين ننتظر الغيمة شهورًا، ثم نعجز عن الاحتفاظ بجزء كافٍ من عطائها حين تمطر.
وليس المطلوب أن نقطع رحلة الماء بين السروات والبحر؛ فهي رحلة أودع الله نظامها في هذه الأرض، وجعلها آيةً من آيات قدرته وتدبيره؛ ينزل الماء على المرتفعات، فتجمعه الشعاب، وتحمله الأودية، وتشرب منه الأرض، ثم يمضي ما بقي منه إلى البحر.
وما نحتاج إليه هو أن نُحسن التعامل مع هذه الرحلة: أن تشرب الأرض، ويرتوي الخزان، وتخضر المزرعة، وتأخذ البيئة نصيبها، ثم يواصل ما بقي من الماء رحلته إلى البحر.
عندها تصبح أودية تهامة أكثر من ممرات للسيول؛ تصبح شرايين ماء تصل الجبل بالأرض والإنسان والبحر، وتترك الحياة على امتداد الطريق.