في حياة الشعوب سنوات صعبة تمر ثم تصبح جزءًا من التاريخ، وحروب تنتهي، وأنظمة ظلم تسقط، واحتلالات تنسحب، ثم يأتي جيل جديد يقرأ ما حدث لآبائه في الكتب. لكن المأساة الفلسطينية تبدو وكأنها استعصت على هذه القاعدة؛ فما بدأ قبل ما يقارب ثمانية عقود لا يزال حاضرًا في حياة الفلسطيني اليومية، وكأن الزمن يتحرك في كل مكان إلا هناك.

منذ نكبة 1948 عاش الفلسطيني التهجير وفقدان الأرض والممتلكات واللجوء، ثم جاءت حرب 1967 ليبدأ احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة، وهو الاحتلال الذي قالت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر عام 2024 إن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وإن على إسرائيل إنهاءه بأسرع ما يمكن، ووقف النشاط الاستيطاني الجديد.

ثمانية عقود تقريبًا تعني شيئًا يصعب إدراكه إذا نظرنا إلى الرقم وحده. إنها تعني أن طفلًا فلسطينيًا وُلد في عام النكبة كان يمكن أن يبلغ اليوم الثامنة والسبعين من عمره. وربما مات كثير ممن رأوا البدايات بأعينهم، وجاء أبناؤهم فعاشوا القضية نفسها، ثم جاء الأحفاد، وربما أبناء الأحفاد، ليجدوا أنفسهم أمام السؤال ذاته: إلى متى؟


وهنا تكمن إحدى أكثر صور المأساة قسوة. فالإنسان يستطيع احتمال المحنة إذا كان يرى لها نهاية، أما أن تتحول المحنة نفسها إلى نمط حياة ينتقل من جيل إلى جيل، فذلك شيء مختلف. يولد الطفل في المخيم الذي ولد فيه أبوه، ويسمع عن القرية التي خرج منها جده، ويحفظ اسم البيت أو الأرض التي ربما لم يرها قط، ثم يكبر وهو يكتشف أن القضية التي قيل لوالده إنها ستُحل يومًا لا تزال تنتظر الحل.

وقد شهد التاريخ الحديث صورًا أخرى من الظلم المنظم الذي بدا في زمنه وكأنه قدر لا يمكن تغييره. في جنوب أفريقيا أصبح الفصل العنصري سياسة رسمية عام 1948. قسمت الدولة الناس على أساس اللون، وقيدت حقوق الأغلبية السوداء السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبدا النظام لعقود راسخًا تحميه مؤسسات الدولة وقوانينها وأجهزتها الأمنية.

ومع ذلك انتهى.

بعد ستة وأربعين عامًا من قيام نظام الأبارتهايد رسميًا، ذهب أبناء جنوب أفريقيا عام 1994 إلى أول انتخابات ديمقراطية غير عنصرية، وانتقل نيلسون مانديلا من سجين سياسي أمضى سنوات طويلة خلف القضبان إلى رئيس للدولة التي سجنته. لم يحدث ذلك فجأة، ولم يكن نتيجة عامل واحد؛ سبقه نضال داخلي طويل، وضغط دولي متزايد، وعقوبات وعزلة سياسية وأخلاقية، ثم مفاوضات أدرك فيها الخصوم أن استمرار النظام القديم لم يعد قابلًا للحياة.

وهنا تفرض فلسطين سؤالها المؤلم: إذا كان نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا قد أصبح في نهاية المطاف عبئًا أخلاقيًا وسياسيًا لا يستطيع العالم الدفاع عن استمراره، فلماذا استطاعت المأساة الفلسطينية أن تعبر كل هذه العقود دون أن يصل المجتمع الدولي إلى لحظة مماثلة يقرر فيها أن استمرار الوضع القائم لم يعد مقبولًا؟

المشكلة ليست في غياب القرارات ولا في نقص النصوص القانونية. القضية الفلسطينية ربما تكون من أكثر قضايا العالم حضورًا في المؤسسات الدولية. وفي عام 2024 ذهبت محكمة العدل الدولية إلى أبعد من كثير من المواقف السياسية عندما خلصت إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن سياسات الاستيطان والضم وفرض السيطرة الدائمة تعوق حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

لكن المسافة بين القانون والواقع بقيت هائلة.

وهذه ربما إحدى الخصائص التي ميزت المأساة الفلسطينية عن كثير من تجارب التحرر الأخرى: ليس الفلسطيني بحاجة إلى إثبات أن لديه قضية؛ فقضيته معروفة. وليس بحاجة إلى إقناع العالم بأنه شعب موجود؛ فوجوده وحقه في تقرير مصيره مقرران في الخطاب والقانون الدوليين. المعضلة الحقيقية هي كيف يتحول الاعتراف بالحق إلى قدرة على إنفاذه.

ثم جاءت غزة لتكشف مقدار ما يمكن أن يحدث عندما تستمر المشكلة الأساسية بلا حل. وحتى في عام 2026 لا تزال تقارير الأمم المتحدة تصف معظم سكان القطاع بأنهم يعيشون حالة نزوح وظروفًا إنسانية بالغة القسوة، بينما تستمر في الضفة الغربية عمليات الهدم والعنف المرتبط بالمستوطنين والتهجير والقيود على الحركة. أي أننا لسنا أمام مأساة تاريخية نتذكر ضحاياها، بل أمام مأساة لا تزال تنتج ضحايا جددًا ونحن نكتب عنها.

وربما كان أخطر ما يصنعه الزمن بالقضية الفلسطينية هو تطبيع المأساة.

حين يستمر الشيء عامًا يكون أزمة، وحين يستمر عشرة أعوام يصبح صراعًا مزمنًا، أما حين يستمر قرابة ثمانين عامًا فهناك خطر أن يبدأ العالم بالتعامل معه بوصفه جزءًا طبيعيًا من الجغرافيا السياسية للمنطقة: فلسطيني تحت الاحتلال، ولاجئ ينتظر، ومستوطنة تتوسع، وقرار دولي يصدر، وجولة عنف تنتهي لتبدأ أخرى.

وهذا تحديدًا ما يجب رفضه.

فطول عمر الظلم لا يمنحه الشرعية، واعتياد العالم عليه لا يحوله إلى أمر طبيعي. جنوب أفريقيا نفسها تقدم درسًا مهمًا في هذا الجانب؛ فقد عاش نظام الفصل العنصري عقودًا، وكانت لديه قوانينه ومؤسساته وجيشه وشرطته وعلاقاته الدولية، ومع ذلك جاء يوم أصبح فيه ما بدا ثابتًا جزءًا من الماضي.

لكن تجربة جنوب أفريقيا تقدم درسًا آخر لا يقل أهمية: سقوط الظلم لا يحدث لأن الزمن مر عليه طويلًا. الزمن وحده لا يحرر الشعوب. الذي تغير في جنوب أفريقيا هو أن كلفة استمرار النظام سياسيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا أصبحت أعلى من كلفة تغييره، واجتمعت عوامل الداخل والخارج حتى وصل الجميع إلى لحظة أصبح فيها الانتقال ممكنًا.

وهذا ما تفتقده القضية الفلسطينية حتى الآن: اللحظة التي يصبح فيها استمرار الاحتلال والاستيطان والحرمان من تقرير المصير مستحيلًا سياسيًا، لا مجرد أمر مدان أخلاقيًا.

ومما يؤسف له ان حركة التطبيع مع الكيان المحتل ، وهو ما اعده احد أسباب اطالة هذه المأساة، والحرمان من جعل تكلفة الاحتلال اكبر من فوائدة. وهذا ما يجب اعادة النظر حوله.

لهذا قد يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه بعد قرابة ثمانين عامًا ليس: لماذا لم تنته القضية الفلسطينية؟ بل: ما الذي جعل العالم قادرًا على التعايش معها كل هذه المدة؟

كم قرارًا دوليًا يحتاج الفلسطيني؟ وكم مؤتمر سلام؟ وكم جولة مفاوضات؟ وكم جيلًا يجب أن يولد ويموت قبل أن يتحول حق تقرير المصير من عبارة تكتب في القرارات إلى واقع يعيشه الإنسان؟

التاريخ، مع ذلك، يعلمنا الحذر من إعلان اليأس. أنظمة كثيرة بدت في زمنها أبدية ثم انهارت، واستعمار بدا راسخًا ثم رحل، وجدران قسمت شعوبًا ثم سقطت. ولم يكن الذين عاشوا تحتها يعرفون بالضرورة موعد نهايتها.

ولهذا فإن غياب بوارق الحل اليوم لا يعني أن الحل مستحيل غدًا.

لكن الأمل وحده لا يكفي، كما أن انتظار الزمن ليس سياسة. ما يحتاجه الفلسطيني بعد كل هذه العقود ليس مزيدًا من إدارة المأساة، ولا مساعدات تجعل الحياة تحت الاحتلال أكثر احتمالًا، وإنما مسارًا سياسيًا وقانونيًا حقيقيًا ينتهي إلى حقه في تقرير مصيره والعيش بحرية وأمن وكرامة، مع ضمان الأمن والحقوق لجميع المدنيين في المنطقة.

لقد مات كثير ممن شهدوا النكبة، ومات من أبنائهم من مات، وكبر الأحفاد، وولد جيل جديد لا يعرف فلسطين إلا وهي قضية معلقة.

ثمانون عامًا تكاد تكتمل.

والسؤال الذي سيضعه التاريخ أمام عالمنا لن يكون فقط: ماذا حدث للفلسطينيين؟

بل سيكون أشد قسوة:

كيف يعرف العالم كل ما يحدث كل هذه السنين، ثم يسمح له أن يستمر؟!!!