حيث اعتاد الكثيرون التركيز عند لحظة وصول الضيف، ومنحه الاهتمام عند استقباله، وتبعا لذلك يتم تنظيم المجلس، وانتقاء أعذب الكلمات، إلا أن السلوم والأعراف جعلت للوداع مكاناً مكافئاً للاستقبال، بل اعتبرته المحك الحقيقي الذي يثبت صدق الحفاوة وعمق الضيافة. وهو ما قد يفوت على البعض.
من البديهي أن يكون المجلس عند الاستقبال، في أوج نشاطه، وأن تكون الحفاوة واضحة. أما الوداع، فيأتي بعد أن يهدأ المجلس، وينتهي الطعام، وتنقضي أسباب المناسبة الرسمية؛ وهنا تحديداً يظهر ما تبقى من تقدير أصيل تجاه الضيف، بل قد تكون تلك اللحظة تحديدا هي الأبلغ والأهم.
لهذا كان من غير المقبول في مجتمعنا، أن ينهض الضيف ليغادر بمفرده بينما يكتفي صاحب المكان بابتسامة وداع من موقعه؛ بل كان عليه أن ينهض معه، ويرافقه إلى الباب، وربما المشي مع الضيف خطوات أبعد كلما ارتفعت مكانته أو بعد سفره.
لم تكن هذه الخطوات مجرد حركة شكلية، بل سلوكاً يحمل في جوهره معنى عميقاً؛ إذ يؤكد للضيف أن العناية به لم تكن واجباً عابراً ينتهي بانتهاء الطعام، بل هي التزام يمتد حتى يغادر سالماً.
وقد كانت هذه المسؤولية في عصور غابرة وماضية، تتسع لتأخذ شكلاً أبعد، كما في عرف «الضيف السارح» والذي كان متداولا في الجزيرة العربية؛ حيث تمتد الحماية للضيف، حتى يبلغ موضعاً آمنًا ويخرج عن حدود الخطر. وكما هو واضح فقد تحولت هنا الضيافة من مجرد استضافة وإطعام، إلى مسؤولية حماية وإكرام تبدأ بالترحيب ولا تنتهي إلا بالأمان.
اللافت أن هذا المعنى العريق لم يندثر في عصرنا الحالي، بل انتقل ليصاغ في أبهى صور البروتوكولات الدبلوماسية الحديثة. فالزيارات الرسمية بين الدول لا تنتهي بإغلاق قاعة الاجتماعات، بل تستمر حتى نقطة المغادرة؛ فيُحدَّد من يرافق الضيف، ومن يودّعه عند سلّم الطائرة، لما يمثله مستوى التوديع من دلالة على مكانته وعمق العلاقة معه.
وبالمثل، حين ترافق المقاتلات الجوية طائرة الضيف الكبير فور دخولها المجال الجوي السعودي، وحتى هبوطها، فإننا نرى امتداداً رمزياً لمعنى ملاقاة الضيف وتأمين طريقه، كما في سلومنا القديمة وعاداتنا المتجذرة الأصيلة، وفي هذا العصر وإن اختلفت الأدوات بمرور الزمن، لكن جوهر المعنى ظل ثابتاً.
الوداع الجيد لا يحتاج دائماً إلى مواكب حافلة؛ ففي حياتنا اليومية، يكفي أن توقف حديثك بابتسامة، وأن تقوم من مجلسك لتمشي مع ضيفك بضع خطوات، وتبقى واقفاً حتى يبتعد.
تفاصيل قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عظيمة في أثرها؛ فالضيف قد ينسى كثيرا مما قيل له في المجلس، وقد تغيب عنه تفاصيل الضيافة، لكنه نادراً ما ينسى حرارة الاستقبال وصدق الوداع، ففي الأولى تتشكل صورته عن مضيفة وفي الأخرى تبقى الذكرى التي يحملها معه.