الكتابة من أهم أدوات تنوير العقل والنفس والحياة، دفتر وقلم، وتستوي جالسًا وتبدأ تفرغ الموقف بكل تفاصيله، الشعور والفكرة وحتى الأشخاص، على ورقة بيضاء بقلمك وبأناملك وبكلماتك وبتصوراتك وأفكارك، كأنك تتعامل مع كل ذلك على أنه قطع شطرنج، تحركها بوعي وإدراك وتركيز عال. تتعامل مع كل تلك المفردات كأنك شخص خارج الحدث، تتأمل من بعيد، وبالتالي تتجلى الحكمة في أحلى صورها، في اتخاذ القرارات المناسبة للموقف، أو حتى السخرية من تفاهة الحدث، وبالتالي سخافة الموقف والقدرة على الخروج من دائرته، كانتشال شخص من تحت الأنقاض، هذا الكيان بكل أبعاده القوية والضعيفة.

علميًا آلية الكتابة كفعل التي يمثلها مسك القلم وتحريك اليد، الكتابة أيًا كانت حتى وإن كانت خربشة، تنشط خلايا الدماغ لأنها عملية حركية عصبية بصرية، تتحد مع عملية عقلية نفسية، وهنا يتشكل فريق متكامل- من الإنسان- لإنتاج هذا العمل.

أحيانًا تكون شخصًا في عين العاصفة، تدخل وتخرج، تأخذ وتعطي، تتكلم وتناقش وترد. إذا توقفت وأمسكت بالقلم والورقة قليلًا، كأنك تركب منطادا هوائيا، يرتفع رويدًا رويدًا حتى تحلق بعيدًا، تجلس تتأمل في الأحداث وفي الناس وترتقي، مع الارتقاء الحسي، ردود فعلك بالكتابة وتنجح في معالجة المواقف بطريقة مبنية على علم وحكمة، على قراءة واعية للأحداث.


الكتابة ناقل دقيق لكل تفاصيل الحدث، الحس، الفكر، الزمان الذي قيد فيه الموقف، المكان الذي حدث فيه الموقف، وبمجرد كتابة هذا الحدث بكل أبعاده تلك، يتحول من مجرد ذكرى تمحوها الأيام والليالي، إلى حدث «مكتوب». هنا يتحول إلى تاريخ تم رصده وتوثيقه، سواء تم كشفه فيما بعد أم لم يكشف. ولو لم يكن كذلك فكيف وصلت إلينا- الأجيال الحالية من البشرية- تلك الأحداث التي حدثت قبل مئات السنين!

‏مفردة تكنولوجيا تعني الآلات أو الأدوات التي اخترعها الإنسان لتسهيل الحياة، يعني كأدوات ملموسة موجودة بين أيدينا تسهل وتهون الحياة، بينما مفردة تقنية تعني الأساليب أو الطرق، سواء كانت أفكارًا أو إبداعات ذهنية أو مهارات يدوية لإنجاز عمل معين. التقنية مهارة في الإنسان. ليس بالضرورة أن تكون التقنية مهارات منوطة بالحاسبات والإلكترونيات، ولكلٍ منا تقنياته الخاصة في التعامل والتواصل ومعالجة المشكلات.

من التقنيات الناجحة في التعامل مع الكتابة كيفًا أو كمًا، أن تمسك بقلمك وتبدأ تدون وتطرح ما في ذهنك ومشاعرك كبذرة في أرض خصبة، الكتابة الأولى أو المسودة الأولى مجرد تحويلها من أفكار في ذهنك إلى كلمات على صفحات دفاترك، وتركها فترة من الزمن إلى أجلٍ غير مسمى قد يطول وقد يقصر، في يوم ما، في موقف ما، مع شخص ما. تقفز في ذاكرتك وستعود إليها مباشرة وتنقحها وتعطيها عمقا فلسفيا وعاطفيا. ثم تتركها فترة أخرى من الزمن وتعطيها وقتا كافيا لأنها تستحق هذا المستوى من التجذر فيك، وحينها تدعوك للمرة الثانية للعمل عليها وإنضاجها، حتى تقترب من الإبداع. هذه من أهم تقنيات الكتابة.

ولا تندهش سيدي القارئ إذا علمت أن «أرنست هيمنغواي» أعاد كتابة نهاية رواية «لمن تقرع الأجراس» تسعة وثلاثين مرة، وفي بعض المصادر سبعا وأربعين مرة.