دخلت اليوم الأحد، المواجهة اليمنية منعطفا ميدانيا جديدا مع اتساع رقعة القتال من الساحل الغربي إلى لحج وتعز ومأرب والبيضاء، بعد أكثر من شهرين ونصف الشهر من التصعيد المتواصل، في وقت تحاول فيه القوات اليمنية احتواء تداعيات خسارة مواقع واسعة في الساحل، ومنع الحوثيين من تحويل مكاسبهم الأخيرة إلى اختراقات جديدة. وبالتوازي، كثفت القوات اليمنية ضرباتها الجوية على مواقع الجماعة ومنصات إطلاق الصواريخ وآلياتها العسكرية، فيما أعلنت المقاومة الوطنية مقتل أكثر من 500 من عناصرها وإصابة نحو 1500 خلال شهر من المعارك، مقابل أكثر من 1000 قتيل وآلاف الجرحى في صفوف الحوثيين، وفق بيانها.

جبهة لحج

برزت لحج كأحد أبرز محاور التصعيد الجديد، بعدما خاضت القوات اليمنية اشتباكات مع الحوثيين على تخوم مديرية المضاربة، المتاخمة لمديرية ذو باب في تعز والقريبة من باب المندب.


وأعلنت قوات العمالقة أنها تصدت لمصادر نيران حوثية وتمكنت من إسكاتها ومنع أي تقدم، قبل أن تعلن تدمير رتل حوثي في جبهة الوازعية على حدود المضاربة.

وتكتسب هذه التحركات أهمية استراتيجية نظراً إلى موقع لحج بوصفها بوابة رئيسية باتجاه عدن من الشمال والغرب، فضلاً عن امتدادها الساحلي عبر المضاربة ورأس العارة بالقرب من باب المندب. ويجعل ذلك من أي تحرك حوثي في هذه المنطقة تطوراً يستدعي رفع مستوى التحصين والجاهزية لمنع انتقال الضغط العسكري إلى مناطق أكثر قرباً من العاصمة المؤقتة.

ضربات تعز

وفي تعز، كثفت القوات اليمنية عملياتها الجوية والميدانية على عدة محاور، في وقت حاولت فيه ميليشيات الحوثي تنفيذ تحركات وتسللات باتجاه مواقع القوات.

واستهدف الطيران الحربي مواقع وتجمعات وآليات عسكرية حوثية في جبهات المحافظة، وطالت الضربات ثكنات للجماعة في جبل المنعم بجبهة الربيعي غربي مدينة تعز، كما دمرت دبابة حوثية في محيط الجبل.

وامتدت الضربات إلى منطقة الستين شمال مدينة تعز، حيث استهدف الطيران منصة لإطلاق الصواريخ تابعة للحوثيين، في ضربة تستهدف قدرات الجماعة على تنفيذ القصف بعيد المدى.

وفي جبهة الكدحة، استهدفت غارة جوية موقعاً عسكرياً حوثياً في منطقة الرحبة، وأدت، وفق المصادر العسكرية، إلى مقتل عدد من عناصر الجماعة وتدمير عربة عسكرية. وتكتسب منطقة الرحبة أهمية عملياتية لارتباطها بمواقع القيادة والسيطرة الحوثية في المنطقة، مما يجعل استهدافها جزءاً من محاولة إضعاف قدرة الجماعة على إدارة العمليات وتنسيق التحركات بين الجبهات.

وفي المقابل، أفادت مصادر ميدانية بقصف حوثي لقرى في مديرية الشمايتين بريف تعز الجنوبي، بالتزامن مع اشتباكات على عدد من المحاور، لتبقى المحافظة واحدة من أكثر الجبهات نشاطاً في المرحلة الحالية.

الساحل يتصاعد

وعلى الساحل الغربي، أطلقت القوات اليمنية عملية «صندوق القتل»، ونشرت مشاهد لاستهداف مواقع وآليات حوثية في مناطق المخا وذو باب، بالتزامن مع تحذير المدنيين من استخدام عدد من الطرق الواقعة ضمن نطاق العمليات.

وتأتي هذه العمليات بعد خسارة القوات الحكومية مواقع واسعة على امتداد الساحل، شملت مناطق حيس والخوخة والمخا وميناءها، وصولاً إلى مناطق قرب باب المندب وجزيرة ميون، في تحول ميداني كبير فرض على القوات إعادة ترتيب انتشارها.

وأعلنت المقاومة الوطنية، التي يقودها عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، أن المعارك التي خاضتها بين 9 أغسطس و10 سبتمبر أسفرت عن مقتل أكثر من 500 من عناصرها وإصابة نحو 1500، مقابل أكثر من 1000 قتيل وآلاف الجرحى في صفوف الحوثيين، وفق بيانها.

واتهمت المقاومة الوطنية إيران، عبر الحرس الثوري وحلفائه في المنطقة، بتقديم إسناد مباشر للحوثيين خلال الهجوم، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن خسارة المعركة لا تعني نهاية المواجهة، مؤكدة استمرارها ضمن القوات المسلحة اليمنية.

مأرب صامدة

وفي مأرب، تظل المعركة ذات أهمية استثنائية، باعتبار المحافظة أحد أبرز مراكز الثقل العسكري والاقتصادي للقوات اليمنية، فضلاً عن كونها ملاذاً لملايين النازحين.

وتشير الأرقام الواردة إلى وجود أكثر من مليونين و87 ألف نازح في 209 مخيمات بمختلف مديريات المحافظة، فيما تعيش أكثر من 59 ألف أسرة في مساكن وخيام متهالكة.

وتتوزع السيطرة في المحافظة بين الحوثيين والقوات اليمنية، التي تسيطر على مدينة مأرب وعدد من المديريات والمناطق المرتبطة بالحقول النفطية والغازية.

ومع انتقال أعداد من القوات المنسحبة من الساحل إلى مأرب، بدأت المحافظة تتحول إلى مركز لإعادة التنظيم والاستعداد للمرحلة المقبلة. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ مأرب سلطان العرادة إن خسارة الساحل «مؤلمة ومؤسفة»، لكنها لا تمثل نهاية المواجهة، مؤكداً أن القوات المنسحبة تعيد ترتيب صفوفها وستعود إلى المعركة.

مكاسب البيضاء

وفي البيضاء، كثفت القوات اليمنية ضرباتها الجوية، معلنة تنفيذ أكثر من 20 غارة استهدفت تجمعات وآليات ومنصات إطلاق صواريخ ومنظومة اتصالات تابعة للحوثيين في مديريات الزاهر وذي ناعم والسوادية ومكيراس.

وتكشف طبيعة الأهداف أن العمليات تركز على إضعاف البنية القتالية للجماعة، واستهداف وسائل الحركة والاتصال ومنصات النيران، بما يحد من قدرتها على تنفيذ عمليات منسقة بين الجبهات.

إعادة التموضع

وتتعامل القيادة اليمنية مع التطورات الأخيرة باعتبارها مرحلة إعادة ترتيب واسعة للقوات، وليس نهاية للمواجهة. وشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على أن المعارك لا تقاس بنتيجة يوم واحد أو تغير موقع ميداني، وإنما بقدرة الدولة على إعادة تنظيم قواتها وحشد مواردها والحفاظ على تماسك مؤسساتها واستعادة زمام المبادرة.

وفي الاتجاه نفسه، أكد مجلس الوزراء ضرورة رفع الجاهزية وتعزيز الاحتياجات العملياتية للقوات المسلحة، فيما زار عضو مجلس القيادة الرئاسي عثمان مجلي قوات الفرقة الرابعة طوارئ في كتاف البقع بمحافظة صعدة، مؤكداً استمرار الاستعداد لمواجهة الحوثيين.

كلفة إنسانية

ولا تقتصر تداعيات التصعيد على الجانب العسكري، إذ خلفت المعارك موجات نزوح جديدة من مناطق الساحل والجبهات الأخرى.

وأكد مجلس الوزراء أن حماية المدنيين والنازحين تمثل أولوية عاجلة، موجهاً بحصر الاحتياجات وتأمين المأوى والغذاء والمياه والرعاية الصحية. وتحولت مأرب إلى نقطة رئيسية لاستقبال القادمين من مناطق القتال، فيما تواصل السلطات المحلية التعامل مع التداعيات الإنسانية للتصعيد.

وتشير التطورات المتزامنة في لحج وتعز والبيضاء ومأرب والساحل الغربي إلى انتقال الحرب إلى مرحلة أكثر حركة، تتداخل فيها محاولات الحوثيين توسيع نطاق السيطرة مع مساعي القوات اليمنية لوقف التقدم وإعادة بناء قدراتها واستعادة زمام المبادرة. وبينما تبقى خسارة الساحل أكبر انتكاسة ميدانية حديثة، فإن اتساع الضربات الجوية واحتواء التحركات الحوثية في عدة جبهات يفتحان مساراً جديداً لإعادة تشكيل خريطة المواجهة.