قد يولد الطفل دون علامات واضحة تدعو إلى القلق، بينما يخفي مفصل الورك خللًا لا يظهر أحيانًا إلا عند الوقوف أو المشي. ومن هنا تبرز أهمية الخلع الوركي الولادي، أو خلل تطور مفصل الورك (Developmental Dysplasia of the Hip – DDH)، الذي يمثل أحد التحديات في جراحة عظام الأطفال، خصوصًا أن التشخيص المبكر يمكن أن يغيّر مسار العلاج ومستقبل حركة الطفل.

مفصل الورك أساس الحركة

يتكون مفصل الورك من التجويف الحُقّي في عظمة الحوض، ورأس عظمة الفخذ الذي يستقر داخله.


وفي المفصل الطبيعي يكون رأس عظمة الفخذ مستقرًا ومتطابقًا داخل التجويف، وتعمل الأربطة والعضلات والأنسجة المحيطة على المحافظة على هذا الاستقرار، بما يسمح للمفصل بالنمو بصورة سليمة ويمنح الطفل القدرة على الجلوس والوقوف والمشي بصورة طبيعية.

أما في حالة خلل تطور مفصل الورك، فلا تكون العلاقة بين رأس عظمة الفخذ والتجويف الحُقّي طبيعية، وتتراوح الحالة بين عدم استقرار بسيط وخروج جزئي أو كلي لرأس عظمة الفخذ من التجويف.

وقد لا يصاحب الحالة ألم أو أعراض واضحة خلال الأشهر الأولى، ما يجعل اكتشافها أحيانًا متأخرًا، بعد بدء الطفل بالمشي وظهور علامات مثل العرج أو اختلاف طول الطرفين.

معدلات الإصابة

تشير التقديرات إلى ظهور درجات من عدم استقرار مفصل الورك لدى بعض حديثي الولادة، بينما تحتاج نسبة أقل إلى العلاج.

وفي المملكة لا تزال الحاجة قائمة إلى بيانات وطنية حديثة ودقيقة تحدد معدل حدوث الحالة وانتشارها.

وأظهرت دراسة مستعرضة نُشرت عام 2002 في مجلة West African Journal of Medicine، وأجريت في مستشفى عسير المركزي بمدينة أبها، وشملت نحو 300 طفل مصاب خلال الفترة من 1996 إلى 1999، أن معدل الإصابة بلغ نحو 3.5 حالات لكل ألف مولود.

وأضافت الدراسة أن نحو 32.4% من الحالات شُخصت خلال الأشهر الستة الأولى من العمر، فيما بلغت نسبة الذكور إلى الإناث نحو 1.3 إلى 6.

وتعكس هذه النتائج أهمية الكشف المبكر، إذ يتيح اكتشاف الحالة في الأشهر الأولى خيارات علاجية أبسط مقارنة بالحالات التي يتم تشخيصها في عمر متقدم.

متى تصبح الجراحة ضرورية؟

كلما تقدم عمر الطفل، وخصوصًا عند اكتشاف الخلع بعد عمر السنة، قد تزيد الحاجة إلى التدخل الجراحي بحسب درجة الإصابة وحالة المفصل. كما قد يمثل الخلع الثنائي، أي إصابة الوركين معًا، تحديًا إضافيًا في ما يتعلق بتطور المشي والحركة، ويحتاج إلى تقييم دقيق وخطة علاجية تناسب حالة الطفل. ولا يعني التشخيص المتأخر أن العلاج غير ممكن، لكنه قد يجعل التدخل أكثر تعقيدًا مقارنة بالعلاج في الأشهر الأولى.

ويعتمد القرار الجراحي على مجموعة من العوامل، أبرزها درجة الخلع، وعمر الطفل وقت العملية، ومدة التأخر في التشخيص. فمع تقدم العمر قد تتغير تشريحيات المفصل والأنسجة المحيطة به، ما يزيد من صعوبة العلاج والحاجة إلى إجراءات إضافية.

عوامل تزيد احتمالية الإصابة

ترتبط الإصابة بعدد من عوامل الخطورة التي تستدعي مزيدًا من الانتباه والمتابعة.

وفي دراسة أُجريت في مستشفى الملك خالد الجامعي بالرياض عام 1996، وشملت نحو 600 طفل سعودي مصاب بالخلع الوركي، تناول الباحثون طبيعة وأنماط الإصابة مع متابعة الحالات حتى سن الخامسة. وأظهرت النتائج ارتباط الإصابة بعدد من العوامل، أبرزها وجود تاريخ عائلي للخلع الوركي، وولادة الطفل بوضعية المقعدة، واستخدام المهاد للطفل. ونُشرت نتائج الدراسة في Saudi Medical Journal عام 2003، وأوصت بوجود برنامج وطني للمسح والكشف المبكر للحد من مضاعفات التشخيص المتأخر.

التاريخ العائلي

وجود إصابة سابقة بالخلع الوركي داخل العائلة يستدعي اهتمامًا أكبر، لما قد يرتبط به من ارتفاع احتمالية الإصابة. ولهذا ينبغي للأسرة التي لديها طفل سابق مصاب أو تاريخ عائلي للحالة إبلاغ طبيب الأطفال وإجراء الفحوص المناسبة في الوقت المحدد، بما يحول عامل الخطورة إلى فرصة للكشف المبكر.

التشخيص المبكر

يمثل التشخيص المبكر خطوة رئيسة، لأن مفصل الورك خلال الأشهر الأولى يكون في مرحلة نمو وتطور مستمرين، ما يرفع فرص الاستفادة من العلاج التحفظي في كثير من الحالات. ويعتمد التشخيص على الفحص السريري الدقيق، إضافة إلى وسائل التصوير المناسبة لعمر الطفل وحالته، ومنها الأشعة الصوتية في الأعمار المبكرة، والأشعة السينية عندما تصبح أكثر ملاءمة لتقييم المفصل. ولا ينبغي انتظار ظهور العرج أو اضطراب المشي، لأن العلامات قد تكون محدودة أو غير واضحة في المراحل الأولى.

لكل عمر علاجه

لا يوجد علاج واحد يناسب جميع الأطفال، إذ تعتمد الخطة العلاجية على عمر الطفل ودرجة الخلع ومدى استقرار المفصل ونتائج الفحص والتصوير.

العلاج التحفظي

عند اكتشاف الحالة في عمر مبكر، وخصوصًا خلال الأشهر الأولى، يمكن في عدد من الحالات استخدام جهاز بافليك (Pavlik Harness)، الذي يساعد على إبقاء مفصل الورك في الوضعية المناسبة واستقرار رأس عظمة الفخذ داخل التجويف الحُقّي، بما يدعم نمو المفصل بصورة طبيعية. وقد يسهم اكتشاف الحالة في هذه المرحلة في تجنيب الطفل تدخلات أكثر تعقيدًا لاحقًا.

الجبيرة البنطلونية

في بعض الحالات التي تحتاج إلى رد الخلع وتثبيته، قد تستخدم الجبيرة البنطلونية للورك (Hip Spica Cast).

وقد يتم الإجراء داخل غرفة العمليات، مع استخدام تصوير مفصل الورك بالصبغة (Hip Arthrogram) في بعض الحالات للتأكد من وضع المفصل ونجاح الرد والتثبيت.

مضاعفات التأخر

قد تكون بداية الحالة بسيطة وغير ملحوظة، لكن تأخر العلاج قد يؤدي إلى مشكلات تؤثر في الطفل على المدى البعيد.

ومن أبرز هذه المضاعفات العرج واضطراب المشي، واختلاف طول الطرفين السفليين، والحاجة في بعض الحالات إلى أجهزة أو أحذية طبية لتعويض فرق الطول، إلى جانب زيادة احتمالية حدوث تلف مبكر في مفصل الورك والاحتكاك.

كما قد يحدث تنخر في رأس عظمة الفخذ في بعض الحالات، ما قد يؤثر في نمو المفصل ووظيفته.ومع مرور الوقت قد تتحول حالة كان يمكن التعامل معها مبكرًا بخيارات أبسط إلى مشكلة تحتاج إلى تدخلات علاجية وجراحية أكثر تعقيدًا.

الحاجة إلى الكشف المبكر

تسلط الدراسات المحلية، رغم قدم بعضها، الضوء على أهمية وجود بيانات وطنية حديثة وبرامج منظمة للكشف المبكر عن خلل تطور مفصل الورك.

ويمكن لبرامج الكشف أن تسهم في اكتشاف الحالات قبل ظهور الأعراض، خصوصًا لدى الأطفال الذين لديهم عوامل خطورة، إلى جانب رفع وعي الأسر ومقدمي الرعاية الصحية بأهمية الفحص في الوقت المناسب.