كشفت واقعة تقدّم سيدة إلى مكتب محاماة في المدينة المنورة، راغبة في تخصيص ثروة تقدر بنحو 10 ملايين ريال وعدد من العقارات للجمعيات الخيرية، عن الحدود الفاصلة بين حق الإنسان في التصرف بأمواله خلال حياته، وحقوق الورثة التي تنشأ بعد وفاته. وجاءت رغبة السيدة في أعقاب انقطاع علاقتها بأبنائها الأربعة وهجرهم لها لنحو عام، إذ أرادت توجيه كامل ثروتها إلى جهات خيرية وعدم وصول شيء منها إليهم عن طريق الميراث، إلا أن المكتب أوضح عدم إمكانية تنفيذ وصية بهذه الصورة، وطرح بدائل نظامية، من بينها وصية خيرية في حدود ثلث التركة، أو دراسة إنشاء وقف خيري منجز خلال حياتها وفق الإجراءات النظامية.

الهجر لا يمنع الإرث

أوضح المحامي المختص في الأحوال الشخصية شاكر حمد الأصل أن الشخص كامل الأهلية يملك خلال حياته مساحة واسعة للتصرف في أمواله بالبيع أو الهبة أو التبرع، متى كان التصرف حقيقيًا ومنجزًا ومستوفيًا للضوابط النظامية.


وبين أن ما يبقى في ملك الشخص حتى وفاته يصبح جزءًا من تركته وتطبق عليه أحكام الوصية والإرث، فيما لا يؤدي الخلاف الأسري أو انقطاع العلاقة بين الوالدين والأبناء، بذاته، إلى إسقاط صفة الوارث.

الثلث يحكم الوصية

أشار الأصل إلى أن المادة 190 من نظام الأحوال الشخصية تنص على نفاذ الوصية إذا لم تزد على ثلث التركة، بينما يتوقف ما يتجاوز الثلث على إجازة الورثة، وينفذ منه بقدر نصيب من وافق منهم. وبذلك تستطيع السيدة تخصيص ما لا يتجاوز ثلث تركتها للجهات الخيرية عن طريق الوصية، بعد الوفاء بالحقوق والالتزامات المتعلقة بالتركة، بينما لا يضمن تدوين وصية بكامل الثروة انتقال جميع الأموال إلى الجهات الموصى لها في وجود ورثة.

المال خلال الحياة

يفصل النظام بين الوصية، التي يضاف أثرها إلى ما بعد الوفاة، والتصرفات التي ينجزها صاحب المال خلال حياته. ويمنح هذا الفرق صاحب المال مجالًا أوسع للتصرف في ممتلكاته وهو على قيد الحياة، وفق طبيعة كل تصرف وضوابطه النظامية، وهو ما يفسر طرح خيار الوقف الخيري المنجز كأحد البدائل التي يمكن دراستها بدل محاولة نقل كامل الثروة بوصية بعد الوفاة.

جرح خلف القرار

ترى الاستشارية الأسرية فاطمة الجهني أن الرغبة في حرمان الأبناء من الاستفادة من الأموال قد تعكس، إلى جانب بعدها المالي، أثرًا متراكمًا للقطيعة والشعور بالخذلان، مشيرة إلى أن انقطاع الأبناء عن والدتهم لمدة عام يستدعي فهم جذور الخلاف قبل اتخاذ قرارات يصعب التراجع عن آثارها. وأضافت أن النظر إلى الواقعة من جانب واحد قد لا يكشف كامل أسباب القطيعة، مما يجعل الاستماع إلى الأطراف ومحاولة إيجاد قناة تواصل آمنة خيارًا يستحق المحاولة قبل إغلاق باب المصالحة.

الوساطة قبل القطيعة

أكدت الجهني أن الوساطة الأسرية لا تعني الضغط على الأم للتراجع عن قراراتها أو التقليل من معاناتها، وإنما محاولة معالجة أسباب الانقطاع وحماية حقوق الأطراف وكرامتهم.

وقد تبدأ الوساطة عن طريق شخص موثوق يتواصل مع الطرفين بصورة منفصلة، قبل الانتقال إلى حوار مباشر أو اتفاق واضح بشأن التواصل والزيارة والرعاية متى كان ذلك ممكنًا.

10 ملايين ريال ثروة مقدرة إضافة إلى عقارات.

4 أبناء انقطعت علاقتهم بوالدتهم لنحو عام.

ثلث التركة ينفذ بالوصية دون إجازة الورثة.

ما زاد على الثلث يتوقف على موافقة الورثة.

الهجر الأسري لا يسقط صفة الوارث.