قوبل إطلاق الحوثيين مسيرة إلى أجواء مكة المكرمة باستنكار وتحذيرات من جانب العواصم العربية والإسلامية، فهذا لم يكن مجرد اعتداء عابر ارتكبته العصابة المسيطرة على اليمن في إطار تصعيد مبرمج ضد السعودية، بل إنه هجوم متعمد لاختبار ردود الفعل في سياق حرب تبدو مفتوحة وتتوارى فيها إيران تارة وراء الحوثيين وطوراً وراء فصيل عراقي.

لم تعل أصوات التنديد بسبب قدسية المكان فحسب، وإنما لأن أحداً لم ينس أن المرشدين الأولين لإيران وأتباعها سبق أن صوبوا جميعاً على مكة المكرمة والمدينة المنورة كهدفين رئيسيين لـ«تصدير الثورة»، استكمالاً لأركان ما تسمى «الجمهورية الإسلامية». أحبط الاعتداء باعتراض المسيرة، لكن «الرسالة» وصلت.

استغلت طهران نفي الحوثيين لتعتبر أن «ليس هناك أساس لاتهام طرف بعينه»، ولتدعو إلى «عدم إطلاق اتهامات (ضد إيران) من دون أدلة واضحة»، تماماً كما فعلت بعد إنكار فصائل عراقية مسؤوليتها عن إطلاق مسيرات من محافظة ميسان الحدودية على أنابيب النفط «شرق- غرب» في السعودية. كانتا محاولتين فاشلتين للإيحاء بأن الاعتداءات تأتي من «أطراف ثالثة» أو حتى «صديقة». ورصدت طهران محاذير استهداف مكة المكرمة، وفهمت أن أحداً لا يصدق براءتها، وأن الحدث اقترب من «خط أحمر» وقد ينعكس سلباً على علاقاتها مع تركيا وباكستان ودول إسلامية أخرى. لكنها قد تستنتج إمكان الإيعاز لـ«خبرائها» في اليمن بتكرار الأمر طالما أنه ينسب إلى الحوثيين، فهؤلاء ليسوا دولة ولا يهتمون بسمعتهم الدولية. ومن جانب آخر، أظهر التعامل العراقي مع واقعة ميسان أن طهران باتت مضطرة للحذر في تحريك ميليشياتها (المطلوب نزع سلاحها).


قبل ثلاثة أيام من محاولة الاعتداء على مكة المكرمة، جلس دبلوماسيون في السفارة الأمريكية في مسقط مع «ضيفين» حوثيين، ولم يعلن شيء عن هدف اللقاء ونتيجته. لكن الحوثيين سربوا تكرار التزامهم وقف إطلاق النار (المبرم في مايو 2025) والامتناع عن مهاجمة السفن الأمريكية أو أي سفن تجارية في البحر الأحمر، باستثناء السفن التابعة للسعودية. أما الجديد الذي لم تسلط عليه الأضواء فنقلته «رويترز» عن «مصدر يمني»، حوثي بالأحرى، وهو أنهم لن يهاجموا السفن الإسرائيلية، ويبدو أن هذا المعطى الأخير قدم مسبقاً فأقنع الجانب الأمريكي بالتحادث المباشر مع الحوثيين. وكان الرئيس دونالد ترمب قال: «أبلغونا أنهم لا يريدون القتال ضدنا»، فبدا غير معني بالحرب اليمنية- الحوثية أو بالهجمات الإيرانية- الحوثية على السعودية، وأعفى نفسه من التعليق على ارتباط حاصل بين سيطرة حوثية على مضيق باب المندب والسيطرة التي تتمسك بها إيران على مضيق هرمز.

هل مهد اللقاء الأمريكي- الحوثي لحوار دائم مع جهة مصنفة «منظمة إرهابية أجنبية» ومع ممثليها المفروضة عليهم عقوبات، وهل تذهب واشنطن إلى حد الاعتراف بالحوثيين طالما أنهم يسيطرون على الساحل المطل على البحر الأحمر، وهل تقدم هذا الاعتراف مع علمها بأنه يعزز نفوذ إيران، لترغيبها بالعودة إلى المفاوضات؟ قبل أسبوعين قبلت طهران «تسوية» هندسها الأمريكيون وأتاحت سيطرة الإسرائيليين على مرتفعات علي الطاهر في لبنان، بعدما أدركت أن «خبراءها» ومقاتلي «حزب إيران» اللبناني لن يتمكنوا من الاحتفاظ بهذا الموقع، وقد شكل سقوطه هزيمة جديدة لـ«الحزب» وضربة لهيبته.

لكن إنجازات الحوثيين في اليمن بدت تعويضاً مهماً لإيران عن خسائرها في المشرق العربي، ومكسباً أكثر جدوى في حساباتها الاستراتيجية، بل تعدها مكملة للصراع الذي تخوضه حالياً لاستعادة نفوذها الإقليمي. سعى الحوثيون إلى «تحييد» الولايات المتحدة (وإسرائيل) في صراعهم المستمر مع الحكومة اليمنية الشرعية كما في حربهم (الإيرانية) المعلنة ضد السعودية. في المقابل، لم تفكر واشنطن مثلاً في دفع الحوثيين إلى «حل سلمي» يمني- يمني، لكنها ربما أرادت التقاط «تمايز» ما محتمل بين الحوثي وإيران، أو حتى الانخداع بوجود تمايز واختبار صدقيته وثباته، لترى كيف يمكن استثماره في التوجه إلى إنهاء الحرب مع إيران، فهذا هو الهاجس المهيمن حالياً على الإدارة الأمريكية.

عشية خطابه أمام الجمعية العامة، واجتماعه المرتقب مع قادة دول الخليج أو ممثليهم، وقبيل لقائه المهم مع الرئيس الصيني، أشار ترمب إلى أنه يستعد لاتخاذ «قرار كبير» في شأن الحرب، لكن تسريبات مصادر البيت الأبيض عن خياراته القليلة والضيقة أشاعت الغموض، خصوصاً قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. أما إعلان نائب الرئيس جي دي فانس أن الصراع مع إيران «سيدخل مرحلة مختلفة تماماً خلال شهرين» فعزز ذلك الغموض: العودة إلى الحرب الموسعة لم تعد واردة، وانتظار مفاعيل العقوبات المشددة غير مضمون النتائج، وانتشار القوات مع استمرار الحصار البحري ضروريان لكنهما مكلفان، والتفاوض بشروط إيران غير مقبول لكنه قد يكون المخرج الوحيد.

ولكي تفاقم مأزق ترمب، عاودت طهران الإصرار على شروطها الـ7 وكأنها تبلغ واشنطن أن اللقاء مع الحوثيين ليس كافياً لإنهاء الانسداد الحالي في المفاوضات.

* ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي»