من هنا تستحق الحملات الموجهة ضد السعودية قراءة تبحث في صناعة الادعاء ومنحه مظهر المصداقية، وتكمن قيمة هذه القراءة في كشف التضليل والتلاعب بالدليل، وتعليم المواطن التمييز بين الواقعة وتفسيرها، وبين سؤال يطلب معرفة وآخر يُهرِب اتهامًا.
ويجب أن تبدأ هذه القراءة بضبط المفاهيم، فالنقد البناء مختلف تمامًا عن المعارضة التي تستخدم كل وسيلة لنيل مرادها، ورفع المعارضة السياسية كشعار لا يمنحها حصانة من فحصها وتمحيصها وتدقيقها، وقد ميزت أدبيات «اضطراب المعلومات» بين ثلاثة أمور:
الأول: تداول معلومات خاطئة دون قصد الإضرار، والثاني: التضليل المتعمد، والثالث: استخدام معلومات صحيحة على نحو ضار، وهذه الفروق ضرورية لفهم طبيعة الفعل وتحديد المسؤولية عنه، بدل جمع الحالات المختلفة تحت حكم واحد، ولذلك فإن من يتعمد اختلاق الوقائع أو تحريف الوثائق أو إسناد اتهامات يعلم بطلانها، يناقش من خلال ما فعله وما يثبت عليه، وكلما كانت الأدلة واضحة، ازدادت قدرة المتلقي على تمييز التضليل وفهم أساليبه، فالعبارة الغاضبة قد تعبر عن موقف، لكن الوثيقة الصحيحة تكشف ما وقع، والمقارنة الدقيقة تظهر التحريف، وتتبع المصادر يميز الأدلة المستقلة من ادعاء واحد يتكرر على ألسنة متعددة.
ومن أخطر الأساليب بتر الحقيقة، فقد تكون الصورة صحيحة والتاريخ مضللًا، وقد يكون التصريح ثابتًا والمحذوف منه حاسمًا في معناه، والواقعة حقيقية لكن تعميمها ينقلها من الخبر إلى الخداع، فلا يكفي سؤال: هل حدث هذا؟ بل متى حدث، وفي أي سياق، وما حجمه، وما المعلومات التي أبعدت عن القارئ؟ إن جزءًا كبيرًا من التضليل يعيش في المسافة بين ما قيل وما كان ينبغي أن يقال لفهم الواقعة، ولذلك يصبح استكمال السياق ضرورة لفهم الخبر وتقدير دلالته.
ثم تأتي رديفًا لذلك صناعة السردية، حيث تنتقى أحداث متباعدة وتربط بعلة واحدة تتحول إلى مفتاح جاهز لكل شيء، فإذا ظهرت واقعة تناقِضها، جرى تجاهلها أو تأويلها بما يعيدها إلى المسار نفسه، فتظل النتيجة ثابتة مهما تغيرت الوقائع.
وتدخل كثافة النشر وتكراره ضمن وسائل التأثير، فثمة نموذج دعائي يجمع تعدد القنوات وسرعة الرسائل واستمرارها، مع ضعف الالتزام بالحقيقة والاتساق، وتصبح الألفة الناتجة من التكرار هي البديل عن التحقق.
وتكتسب السردية قوة إضافية حينما تتعدد الجهات التي ترددها، فيبدأ الادعاء من مصدر مجهول، تنقله منصة، ثم يستشهد تقرير بالمنصة، ويعود صاحب الادعاء الأول ليستشهد بالتقرير بوصفه تأكيدًا مستقلًا، وربما حوله إلى ملف يقدم لجهة حقوقية أو قضائية، ويمكن وصف هذه العملية بعملية «غسيل الادعاء»، إذ يختفي ضعف الأصل خلف كثرة الإحالات، والواجب هنا تتبع سلسلة النقل إلى بدايتها، والتمييز بين عدة مصادر مستقلة وعدة ناقلين لمصدر واحد، فكثرة النوافذ التي نرى منها الخبر لا تعني تعدد الشهود عليه.
وعلم النفس حاضر في هذه العملية من خلال استدعاء الخوف والغضب والكرامة المجروحة، فقد تقدم مادة مؤثرة إنسانيًا، ثم يطلب من القارئ أن ينتقل من التعاطف المشروع إلى تصديق تفسير لم يثبت، ومن الضروري الفصل بين الأمرين: يمكن أن نتألم لمعاناة إنسان، وأن نطالب بفهم معاناته ومعالجتها، وفي الوقت نفسه الاستمرار في فحص هوية المسؤول عنها وصحة التفاصيل المحيطة بها، فالعاطفة جديرة بالاحترام، لكنها لا تقوم مقام الدليل.
وفي استهداف الرموز والمؤسسات يظهر أسلوب آخر، حيث تنقل فيه المناقشة من الفعل المحدد إلى السمعة كلها، فتلصق بالشخص أفعال غيره، أو يكرر تلميح معين حتى يستقر في الذاكرة كأنه واقعة، وتوظف السخرية واللقطات المجتزأة لإنتاج حكم يغني المتلقي عن قراءة الكلام كاملًا، أما المساءلة الجادة فتحدد الفعل ودليله وحدود المسؤولية عنه، وتتيح فحص الجواب، كي لا تظل عملية اغتيال السمعة معتمدة على تراكم الانطباعات.
وتمنح عبارات «مصادر من الداخل» و«ما خفي أعظم» و«ستكشف الأيام» بعض المضللين سلطة معرفية يصعب اختبارها، وهنا فإن سرية المصدر لا تثبت كذبه، غير أنها في الوقت ذاته لا تلزم بتصديقه أيضًا، وما يمكن فحصه هو دقة المتحدث عبر الزمن، وما إذا كانت ادعاءاته تتأكد بصورة مستقلة، وكيف يتعامل مع ما يظهر من أخطائه.
وفي البيئة الرقمية ينبغي فحص أبعاد التضليل والادعاء من خلال الحسابات المنتحلة، والتكرار غير المعتاد، وتزامن النشر، والمواد المشتركة، كما أن الترجمة يجب أن تكون موضعًا للفحص الدقيق أيضًا، فقد يسقط الاحتمال من النص الأصلي ويحل محله الجزم في المعنى المترجم، وقد يقدم الرأي بوصفه خبرًا، ويختفي التحفظ، فتتغير دلالة النص دون أن ينتبه المتلقي لهذا المترجم، ومن ناحية أخرى يجب فحص استقلال مصادر التقارير، وما إذا كانت الردود والوثائق المخالفة قد أدرجت أو أغفلت في التقرير.
هذا ناهيك عن معايير أخرى فاحصة تثبت صحة الادعاء أو تلفيقه، مثل: التمويل وحوافز الشهرة والمشاهدات، وتوظيف التاريخ والانقسامات الاجتماعية، وتعميم فعل فرد على منطقة أو قبيلة أو جماعة، وكذلك التزييف بالذكاء الاصطناعي، مع الانتباه إلى احتمال استخدام وجوده ذريعة للطعن في أدلة صحيحة، وفي جميع هذه المجالات ينبغي أن تظل درجة الجزم والنفي متناسبة مع قوة الدليل، وأن كذلك يكون الاعتراف بما لا نعرفه جزءًا من أمانة الحكم.
وتقع على الخطاب المدافع عن الوطن مسؤولية كبيرة يجب أن تدار بذكاء وأمانة، فقد يوسع انتشار ادعاء محدود حينما يعاد بثه دون ضرورة، أو يضعف حجته حينما يرد بمعلومة غير متحققة، أو يهدر ثقته حين ينكر خطأ ظاهرًا، والرد المتين يوضح الحقيقة وسياقها، ويصحح الخطأ، ويشرح التحريف، ويمنح القارئ طريقًا إلى المصدر، فمعالجة الخلل تسحب من المتلاعب فرصة استثماره، وتؤكد أن الثقة الوطنية قادرة على استيعاب المعرفة والمراجعة.
من المهم والضروري بناء مناعة معرفية، تجعل المواطن أقدر على معرفة التلاعب قبل استقرار أثره، فتعريف الناس بأساليب التضليل يمكن أن يحسن قدرتهم على تمييزه والتريث قبل تصديقه أو مشاركته، وتكتمل هذه التوعية بأمثلة موثقة، تتيح للقارئ ممارسة التحقق بنفسه ومراجعة ما يصل إليه، حتى يصبح فحص الخبر عادة تسبق الحكم، ويغدو طلب الدليل حقًا يمارسه بثقة، دون أن تستدرجه سرعة التداول إلى تبني المجهول.
على كل، تستحق السعودية دفاعًا يليق بها، قويًا في حجته، وأمينًا في معلوماته، وواضحًا في تمييزاته، ويستحق المواطن السعودي معرفة تحترم عقله، وتمنحه القدرة على مساءلة ما يقرأ، وحينما يعتاد السؤال عن الأصل والسياق واستقلال الدليل، تضيق المساحة التي يتحرك فيها الكاذب المضلل، ويصبح من العسير تمرير تضليل مزيف، أو تأليب حاقد، وهنا تتجذر الثقة الوطنية في وعي يعرف لماذا يثق، وكيف يتحقق، ومتى يصحح حكمه.