لم تعد خريطة العنف في إثيوبيا تتحرك داخل بؤر صراع منفصلة؛ فبينما تكشف غامبيلا عن موجة جديدة من العنف قرب حدود جنوب السودان، تتجه قوى مسلحة متباينة الخلفيات إلى تنسيق مواقفها في مواجهة الحكومة الفيدرالية، في تحول يضيف بعداً جديداً إلى أزمة أمنية تتوزع بين تيغراي وأمهرة وأوروميا ومناطق أخرى.

وجاء إعلان 7 جماعات مسلحة، بينها جبهة تحرير شعب تيغراي و«فانو» وقوى مسلحة من أوروميا، تشكيل تحالف لمواجهة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، ليضع أديس أبابا أمام محاولة لجمع جبهات متفرقة في إطار سياسي وعسكري واحد. وتقول الجماعات إنها تسعى إلى العمل من أجل إقامة حكومة انتقالية شاملة، بينما تبقى خلافاتها بشأن الأرض والنفوذ والترتيبات السياسية عاملاً قد يحد من قدرتها على التحول إلى قوة موحدة.

غامبيلا تنفجر


في غامبيلا، أسفرت أعمال العنف التي وقعت في 18 سبتمبر عن مقتل 12 شخصاً وإصابة عشرات آخرين، وفق منظمة أطباء بلا حدود، التي قالت إن مركزها الصحي في كولي استقبل 88 مصاباً، بينهم 8 توفوا قبل وصولهم و4 فارقوا الحياة عند وصولهم إلى المركز. ولا تزال هوية الأطراف المسؤولة عن اندلاع المواجهات غير واضحة.

وتكتسب غامبيلا حساسية إضافية من موقعها الحدودي وتركيبتها السكانية، إذ تتأثر المنطقة باستمرار بالعنف القادم من جنوب السودان وتدفقات اللاجئين، فيما تتداخل النزاعات المحلية على الأرض والموارد مع التوترات الأمنية. وأكدت أطباء بلا حدود أن المنطقة استقبلت خلال السنوات الأخيرة موجات من الفارين من العنف في جنوب السودان، فيما واصلت فرقها علاج المصابين وتقديم الخدمات الصحية في مخيم كولي.

ولا تبدو أحداث غامبيلا معزولة عن البيئة الأمنية الأوسع؛ فهي تأتي في وقت تتزامن فيه اضطرابات محلية مع عودة التوتر إلى مناطق شهدت صراعات أكثر رسوخاً، بما يوسع دائرة الضغوط الأمنية على الحكومة الفيدرالية.

جبهات متزامنة

في تيغراي، تعود التوترات إلى الواجهة بعد الحرب التي انتهت باتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022، فيما شهد الإقليم خلال 2026 تطورات عسكرية وسياسية أعادت المخاوف من تجدد القتال. وبحسب رويترز، أعادت جبهة تحرير شعب تيغراي تأكيد سيطرتها على أجزاء من الإقليم في مايو، بالتزامن مع تجدد الاشتباكات والضربات بالطائرات المسيرة.

أما «فانو»، التي قاتلت إلى جانب القوات الفيدرالية خلال حرب تيغراي، فتحولت لاحقاً إلى خصم مسلح للحكومة في أمهرة منذ 2023. وفي أوروميا، يواصل جيش تحرير أورومو نشاطه المسلح، لتتسع بذلك رقعة التحديات أمام الحكومة المركزية وتتعدد ساحات المواجهة وأطرافها.

ويمنح اجتماع هذه القوى في تحالف واحد التطورات الأخيرة أهمية تتجاوز حدود كل جبهة منفردة، خصوصاً أن بعض الجماعات كانت في مراحل سابقة على طرفي الصراع نفسه، قبل أن تجد نفسها اليوم في مواجهة الحكومة الفيدرالية.

خصوم الأمس

تكمن المفارقة الأبرز في أن التحالف يجمع أطرافاً لم تكن متحالفة تاريخياً، بل خاض بعضها مواجهات مباشرة. فقد كانت جبهة تحرير شعب تيغراي في مواجهة القوات الفيدرالية و«فانو» خلال حرب 2020-2022، بينما قاتلت «فانو» إلى جانب القوات الحكومية في تلك الحرب قبل انتقالها إلى الصدام مع أديس أبابا.

ويعكس هذا التقارب تغيراً في أولويات هذه الجماعات أكثر مما يعكس اختفاء خلافاتها. فالمشترك بينها يتمثل في معارضة الحكومة الفيدرالية، في حين تختلف دوافعها ومطالبها المحلية والسياسية، فضلاً عن تباعد مناطق نشاطها جغرافياً.

وبحسب رويترز، تضم المجموعة الجديدة قوى من تيغراي وأمهرة وأوروميا وعفار وبني شنقول-قمز، مما يمنحها انتشاراً جغرافياً واسعاً، لكنه يضعها في الوقت نفسه أمام تحديات تتعلق بالتنسيق والقيادة وتباين الأجندات. كما اتهمت الحكومة الفيدرالية التحالف بتلقي دعم من إريتريا، وهو اتهام تنفيه أسمرة.

تنسيق هش

لا يعني تشكيل التحالف بالضرورة ولادة قوة عسكرية موحدة؛ فالفارق بين التنسيق السياسي والاندماج الميداني يظل كبيراً في الحالة الإثيوبية. كما أن الخلافات حول الأراضي والنفوذ وشكل الدولة والترتيبات الأمنية يمكن أن تعيد إنتاج التنافس بين الأطراف نفسها.

لكن أهمية التطور تكمن في محاولة نقل الصراع من جبهات إقليمية متفرقة إلى إطار أوسع يجمع خصوماً للحكومة في مناطق مختلفة. وإذا تمكنت الجماعات من الحفاظ على تنسيقها، فقد تضطر الحكومة الفيدرالية إلى التعامل مع شبكة أوسع من التحديات المتزامنة؛ أما استمرار التباينات الداخلية فقد يبقي التحالف في حدود التنسيق السياسي أكثر من كونه جبهة عسكرية متماسكة.

وبذلك، تبدو إثيوبيا أمام مرحلة تتداخل فيها الجغرافيا مع السياسة والسلاح: غامبيلا تكشف هشاشة أمنية متجددة، وتيغرای وأمهرة وأوروميا تحتفظ كل منها بمسار صراع خاص، بينما تحاول قوى متباينة تحويل تعدد الجبهات إلى ضغط مشترك على المركز.

خريطة التصعيد الإثيوبي:

7 جماعات تحالف مسلح جديد

88 مصابا في أحداث غامبيلا

12 قتيلا في مواجهات 18 سبتمبر

تيغراي عودة التوترات

أمهرة قتال "فانو" والحكومة

أوروميا نشاط مسلح مستمر

غامبيلا عنف محلي قرب حدود جنوب السودان

الهدف المعلن حكومة انتقالية شاملة