(1)

وجد فاقدو الاتصال ــ من الانطوائيين، والصامتين، وذوي الرهاب الاجتماعي ــ في التقنيات الجديدة فرصة رائعة للتعافي من خلال الفضفضة والحوار؛ فالزميل «ChatGPT» أصبح يتحدث بذات اللهجة والأسلوب الخاص بأهل المنطقة وكأنه صديق حقيقي. شخصيًا، لم يسبق لي «الحوار» معه بصفة شخصية، وحين ذكرتُ ذلك لصديق، قال لي هامسًا: «لأنك لم تفرغ من الحوار مع البشر حتى الآن!».

(2)


وبحسب دراسة نشرتها دورية «Applied Cognitive Psychology»، فإن الإفراط في استخدام «ChatGPT» يمكن أن يؤدي إلى العزلة الاجتماعية. وإذا تجاوزنا المخاطر الأخرى كالكسل الفكري وضعف الذاكرة، فإن «الانطوائية» والعزلة تظلان أخطر تلك المخاطر وأكثرها شرًا، لا سيما حين تلتهم شبابنا فنفقد قيمتهم ونفعهم.

(3)

صداقة الذكاء الاصطناعي قد تبدو «نبيلة» في أولها لمن يعاني من مشكلات في «الاتصال» مع الآخرين وعدم القدرة على بناء العلاقات؛ كونها تعزز الثقة بالنفس، والقدرة على الحوار، وتنظيم الأفكار. بيد أن هذه الصداقة التقنية تتحول إلى علاقة سامة إن بلغت حد الاكتفاء بها، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى «استبدال» البشر بالآلة.

(4)

لقد حذرتُ أصدقائي ومعارفي وزملائي مرارًا من الركون التام إلى «التقنية» في البحث والكتابة واستقاء المعلومات، وطلبتُ منهم أن يبعدوا شبابنا وأطفالنا عن هذا الاعتماد الكلي؛ لأنه يؤدي في النهاية إلى «شلل معرفي» وغياب تام للتفكير النقدي.

(5)

يطرح بعض الأصدقاء أسئلتهم على الزميل «ChatGPT» فيجيبهم وكأنه صديق مقرّب، لكنني لاحظتُ أنه في جزئية الآراء ووجهات النظر يجامل بسطحية ويبحث دائمًا عن إجابة «مرضية» للمستخدم، رغم أنه أمين نوعًا ما في سرد «المعلومات» المجردة.

بالتالي، فحوار «المراهق» أو المصاب بالانطوائية والرهاب مع هذه الآلة سيكون خطيرًا؛ لأنها ستقدم له المجاملة الدائمة، والملاطفة المستمرة، وتغرقه في «الوهم اللذيذ».

(6)

افتحوا أبواب الحوار مع «الشباب»، وأنصتوا إليهم بعمق، ولا تسخفوا آراءهم، ولا تقمعوا وجهات نظرهم، ولا تصادروا أفكارهم، وارفقوا بعنادهم؛ وإلا فروا كحمرٍ مستنفرة إلى الذكاء الاصطناعي وضحكته المتصنعة الساحرة، وخبثه في ملاطفة الطرف الآخر، وصبره الجبار. وعندها، سيرمون أنفسهم في سرداب العزلة وغيابة الجهل، ويموتون اجتماعيًا ونفسيًا وهم لا يزالون على قيد الحياة.