طفل سعودي لا يتجاوز الثامنة من عمره، يسأله مذيع عراقي: من تتوقع أن يفوز، العراق أم السعودية؟

يجيب الطفل مبتسمًا، وبعفوية: «السعودية طبعًا». يعيد المذيع السؤال، لعلّه يظفر بإجابة مختلفة، فيكرر الطفل: «السعودية».

يقول له المذيع: بل العراق سيفوز. فيجيبه الطفل بجملة أكبر من عمره: «العراق فاز بقلوبنا».


عجبت لهذه الإجابة؛ ليس لجمال العبارة، وإنما لعفويتها.

الطفل لم يكن أمامه نص أعدّه له أحد، ولم يكن سياسيًا ينتقي عباراته، ولا إعلاميًا يحسب أثر كلماته. قال ما استقر في وجدانه ببساطة: أحب وطني وأتمنى له الفوز، لكن العراق وأهله لهم مكان في القلب.

يقال إن الطفل مرآة بيته، وأحسب أن هذا الطفل كان في تلك اللحظة مرآة وطن؛ فقد عكس بعفويته طبيعة مجتمع نشأ فيه، مجتمع يستطيع أن يجمع بين الاعتزاز بوطنه ومحبة أشقائه، فلا يرى في المنافسة الرياضية خصومة، ولا في اختلاف الرايات سببًا للكراهية.

تذكرت وأنا أشاهد عفوية هذا الطفل صورة معاكسة لمشجع عربي تجاوز التشجيع الرياضي إلى عبارات ذات صبغة غير محترمة. المقارنة هنا ليست بين سعودي وآخر؛ فكل بلد أكبر من أن يمثله فرد، كما أن السعودية لا يمثلها فرد، وإنما هي مقارنة بين ما تقوله الفطرة حين تنشأ على المحبة، وما يمكن أن تصنعه التعبئة حين تتسلل إلى الوعي.

هنا تكمن خطورة البيئة المحيطة بالإنسان؛ فالطفل لا يولد وهو يعرف التصنيفات ، ولا الخصومات، ولا الأحقاد .

كثير من هذه الحواجز يتعلمها لاحقًا من البيت أو المدرسة أو المنبر أو الإعلام أو الجماعة التي ينتمي إليها. وكما يمكن للكلمة أن تبني في داخله جسرًا نحو الآخر، تستطيع كلمة أخرى أن تبني جدارًا.

لذلك كانت عبارة الطفل «العراق فاز بقلوبنا» أعمق من مجرد إجابة في مقابلة رياضية؛ إنها تقول ببساطة إن حب الوطن لا يحتاج إلى كراهية وطن آخر، وإن تشجيع منتخبك لا يستلزم الإساءة إلى منافسه، وإن الأخوّة لا تنتقص من الانتماء، وإنما تسمو به.

ما أجمل أن يكبر أطفالنا وهم يعتزون بوطنهم دون تعصب، ويحبون أشقاءهم دون تكلّف، ويدركون أن الملاعب خُلقت للتنافس، لا لاستدعاء الطوائف والمذاهب والخصومات.

حب الوطن لا يحتاج إلى كراهية الآخر، والأخوّة لا تنتقص من الانتماء، بل تجعله أكثر إنسانية.