واليوم، يبدو المشهد مألوفًا على نحو مقلق؛ حرب روسية أوكرانية، وتنافس أمريكي صيني، وصراعات في الشرق الأوسط، وسباق تسلح تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والأمنية. لا يعني ذلك أننا أمام حرب عالمية ثالثة، لكنه يعيد السؤال الذي تجاهله العالم في ثلاثينيات القرن الماضي: متى يصبح تجنب المواجهة وسيلة لتوسيعها؟
غير أن التاريخ لا يقدم لنا درسًا واحدًا عن خطورة التهاون، بل يقدم درسًا آخر عن خطورة القوة حين تفقد حساباتها الإنسانية والسياسية. فليس كل امتناع عن التصعيد ضعفًا، وليس كل انتصار عسكري نهايةً للصراع.
ومن هنا أتأمل الموقف السعودي تجاه الحوثيين. فمن السهل أن يطالب البعض باجتثاث الجماعة عسكريًا، لكن الأصعب أن يسأل:
ماذا عن ملايين المدنيين اليمنيين الذين يعيشون في مناطق سيطرتها؟ وهل القضاء على التهديد العسكري، حتى لو تحقق، يعني بالضرورة تحقيق الاستقرار السياسي؟
في 13 أكتوبر 2026، أعلن المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية، اللواء الركن تركي المالكي، مطالبة المدنيين بإخلاء موقع محطة الصباحة المركزية في صنعاء قبل تنفيذ عملية عسكرية، حفاظًا على سلامتهم. وهو إجراء احترازي مهم، وإن كان التحذير وحده لا يكفي لضمان حماية المدنيين، فالعبرة كذلك بطبيعة الأهداف والضربات ونتائجها.
بوصفي سعودية، أرى أن حماية أمننا الوطني لا تتعارض مع الحرص على أرواح أشقائنا اليمنيين، وأن ضبط استخدام القوة يمكن أن يكون جزءًا من إستراتيجية الردع، لا نقيضًا لها. لكن اختزال استمرار الحوثيين في الاعتبارات الإنسانية وحدها يتجاهل تعقيدات الحرب اليمنية وتوازناتها السياسية والعسكرية.
علمتنا الحرب العالمية الثانية أن التردد أمام التوسع العدواني قد تكون له تكلفة كارثية، لكنها علمتنا أيضًا أن الحروب لا تُقيّم فقط بما تحققه الجيوش، بل بما تتركه خلفها من بشر ومدن ومستقبل.
أخيراً.. السؤال الذي ينبغي أن يشغل العالم اليوم ليس: من يملك القدرة على إشعال الحرب؟ بل من يملك القوة والحكمة ليعرف حدودها؟