كلما قرأت عن المواقف الإنسانية التي شهدها مطار الملك خالد، خلال الحوادث الأخيرة، وجدتني أتوقف عند العاملين الذين سارعوا إلى مساعدة المصابين وإرشاد المسافرين نحو مخارج الطوارئ، وأفكر في هؤلاء الذين واجهوا الخوف مع الناس، ثم وجدوا في أنفسهم من التماسك ما أعانهم على أداء واجبهم، بينما كانت الوجوه من حولهم تبحث عمن يدلها على طريق آمن، ويخفف عنها ارتباك تلك اللحظات.

نمر بهؤلاء الموظفين في رحلاتنا، وننشغل بإجراءات السفر ومواعيد الإقلاع، وربما غادرنا المطار دون أن نتذكر وجه الموظف الذي أرشدنا أو العامل الذي ساعدنا، حتى تأتي ساعة كهذه فنعرف مقدار ما يحمله وجودهم من قيمة، وندرك أن وراء الأعمال التي تبدو مألوفة أشخاصًا يستطيعون، حين تتبدل الظروف، أن يمنحوا الآخرين شيئًا من الطمأنينة، وأن يعينوهم على التصرف في وقت يصعب عليهم فيه ترتيب أفكارهم.

وقد أعلنت هيئة الطيران المدني أن فرق الطوارئ والجهات المختصة باشرت الحوادث فور وقوعها، وأن المصابين نُقلوا إلى المستشفى لتلقي الرعاية، وهي معلومات نقرؤها في سطور قليلة، بينما تحمل وراءها عملًا واستعدادًا وتنسيقًا بين أشخاص اجتمعت مسؤولياتهم على حماية المسافرين والعاملين، واستدعت منهم تلك اللحظات أن يضعوا ما تعلموه وتدربوا عليه في خدمة من احتاج إليهم، وأن يواصلوا أداء مهامهم وسط ظروف يعرف الجميع صعوبتها.


حين نتحدث عن الإنقاذ والإسعاف، يحضر في وجداننا رجال الدفاع المدني ومسعفو الهلال الأحمر، ونستشعر ما يحمله العاملون في هذين الجهازين من مسؤولية تجاه حياة الإنسان، وما تتطلبه مهامهم من معرفة وشجاعة وحسن تصرف، فخلف الزي الذي نراه، أبناء لهذا الوطن، لهم أسر تنتظر عودتهم وتطمئن إلى سلامتهم، وهم يدركون أن أسرًا أخرى تنتظر منهم العون، وتعلق على كفاءتهم، بعد الله، آمالها في نجاة أحبتها.

يشدني في المواقف التي نُقلت عن العاملين في المطار أن المساعدة امتدت بين جهات أمنية وخدمية وتشغيلية، فكل منهم أسهم من موقعه في إرشاد المسافرين ونجدة المحتاجين إلى العون، وهي صورة نعتز بها كسعوديين، ونرى فيها ما نشأنا عليه من شهامة وشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين، حين يجد المسافر أمامه من يهتم بأمره، ويساعده على تجاوز لحظة قد تظل في ذاكرته سنوات.

من عاش الخوف يعرف أن أثر المساعدة يتجاوز الفعل نفسه، لأن الإنسان يتذكر من وقف إلى جانبه حين اضطرب، ومن أجابه حين احتار، ومن عامله بعناية وهو في أضعف حالاته، ولذلك فإن ما قدمه هؤلاء يستحق أن تحفظه الذاكرة، وأن يصل تقديرنا إلى أصحابه وهم يعلمون أن انشغالنا بأخبار الحوادث وأحوال المصابين يصاحبه امتنان لمن بادروا إلى المساندة وأحسنوا أداء واجبهم.

ولعل من الوفاء أن تتسع التغطيات لحكايات هؤلاء، فتروي مواقفهم بأسمائهم وتفاصيلها، وتتيح للمسافرين والمصابين التعبير عما وجدوه من عناية، حتى يعرف أبناؤنا أن بيننا نماذج قريبة تستحق الاقتداء، وأن الفزعة التي نعتز بها تظهر في عمل يؤديه صاحبه بإخلاص، ومساعدة يقدمها في وقتها، وموقف يحفظ لإنسان حياته وكرامته، فنحمد الله على سلامة الناجين، ونسأله الشفاء للمصابين، والرحمة لمن فقدناهم، والحفظ لكل من نهض لمساعدة الناس.