وسأرافقكم، في خمسة مقالات تبدأ بهذا المقال، في جولة بين حقوله وسواقيه، وأزاهره وثمره؛ نتأمل ما أنبتته معرفة المؤلفة، ونتتبع الماء إلى منابعه، ونقف عند الثمر الذي يستحق أن نحمله إلى أسئلتنا عن الإنسان والوطن والمستقبل، ولعل أعمق ما نعود به أن نرى في ماضينا ما حجبه الاعتياد، وأن ندرك كيف تظل بعض وقائعه مفتوحةً على حاجتنا إلى الفهم.
تظل المجتمعات بحاجة إلى معرفة ما جرى داخل الأفكار التي جرحت وجدانها، ففي الطريق إلى العنف تتشكل تصورات عن العالم وموقع الإنسان فيه؛ وتكتسب بعض القناعات من السلطة على صاحبها ما يجعله يحمل السلاح استجابةً لما يراه واجبًا، أو خلاصًا، أو دورًا اختصه به القدر، وفي المسافة بين الفكرة والفعل يقبع سؤال بالغ الأهمية: كيف يصنع الإنسان من تأويله للعالم حقيقةً يطالب العالم بالخضوع لها؟ من هذا السؤال أقرأ «الغريب»، وأرى فيه عملًا يستحق احتفاءً يتناسب مع ما يفتحه للمعرفة السعودية من أفق، فالمؤلفة تدخل إلى موضوع شديد الحضور في ذاكرتنا بأدوات اختصاصها في علم النفس، وتصل الحادثة التاريخية بالتجربة الداخلية التي أسهمت في تشكيلها، متتبعةً العلاقة بين ما عاشه جهيمان وقرأه واعتقده، وما صنعه من ذلك لنفسه ولجماعته من معنى ومصير، ويأتي عمق الإضافة من موضع السؤال نفسه، فمعرفة الأفكار التي اعتنقها شخص تفتح سؤال الوظيفة التي أدتها في حياته: ماذا منحته؟ وكيف أعادت ترتيب مخاوفه وعلاقته بالمجتمع؟ وكيف صار وجوده الشخصي متصلًا، في وعيه، بمهمة كونية؟ عند هذا المستوى يتصل تاريخ الفكرة بتاريخ الحاجة إليها، وتغدو معرفة مضمونها مدخلًا إلى فهم سلطتها على صاحبها.
ومن عتبات الكتاب تلوح هيبته العلمية في تفاصيل تستوقف القارئ؛ تنبّه الشعلان إلى ندرة اسم «جهيمان»، على الرغم مما أكسبته شهرة صاحبه من ألفة في الأسماع، حتى تكاد ألفته توهمنا بشيوعه، ولعل في هذا أول انكشاف لما حجبه الاعتياد، وتوضح اختيارها عدم إلحاق وصف «المزعوم» بالمهدي، اتساقًا مع غاية التفسير وضبطًا للغة البحث، ثم تحسم موقفها من الاقتحام بوصفه «عدوانًا صارخًا وجريمةً مروعة»، وتؤكد وعي جهيمان بفعله ومسؤوليته عنه، ففي هذا الفصل بين مقتضيات التحليل والحكم على الجريمة تتجلى روح العمل: بيان أدبي رفيع، وحزم بحثي يصون حدود المعرفة ودقة التعبير عنها.
وفي هذا الإطار، تحدد الشعلان غاية كتابها في استكشاف تفاعل جهيمان مع سؤال المعنى والعزلة الوجودية وحتمية الفناء، وصولًا إلى نموذج يفسر تفاعل هذه المعطيات في وعيه المهدوي، الذي بلغ ذروته في اقتحام المسجد الحرام سنة 1979، وتمنح هذه الغاية الدراسة وحدتها؛ إذ تصل الوقائع والسياقات بتشكل الوعي والاختيارات الصادرة عنه، فيغدو الاقتحام نهاية مسار تستحق حلقاته وتفاعلاته الفهم.
ويظهر رسوخ التكوين العلمي للمؤلفة في دقة تحديد المعرفة التي تنشدها؛ تؤكد الإرادة والاختيار والمسؤولية الشخصية، وتستبعد تقديم تشخيص مرضي لحالة جهيمان العقلية، وتتتبّع كيف تصوغ الذات عالمها وتواجه معطيات وجودها، فتمنح الدراسة النفسية موضوعها الدقيق، وتحفظ للفعل الإنساني صلته بصاحبه، وترسم حدود ما تسنده المادة إلى الباحث من استنتاج.
هنا أجد جانبًا من نضج الكتاب: أن تكون معرفة النفس طريقًا إلى تعميق السؤال عن المسؤولية، فالإنسان يتلقى الأفكار داخل تجربة تخصه، ويمنحها موقعًا في حياته، ويختار من خلالها علاقته بالآخرين، وبذلك تتسع مساحة الفهم لتشمل ما يصنعه الفرد بموروثه وبيئته ومخاوفه، وتصبح دراسة التطرف أقدر على تمييز المواضع التي يتدخل فيها التأويل والقرار والاختيار.
وتكتسب ملاحظتها اختلاف مصائر المتأثرين بالبيئة الفكرية نفسها أهمية تأسيسية؛ فمنهم من غادر مبكرًا، ومن فارق الجماعة بعد تعيين المهدي والتنبؤ بقرب الساعة، ومن انسحب خوفًا أو إحباطًا أو اعتراضًا على الاقتحام ورفع السلاح، وبقي جهيمان ومعه «خاصةٌ» استمر تماهيها مع الفكرة الأخروية حتى النهاية، وفي هذا التفاوت يتجلى موضع الذات وطريقتها في استقبال الأفكار والتصرف بمقتضاها.
ومن هذا التمييز ينبثق سؤال يتجاوز الحالة المدروسة: ما الذي يجعل الفكرة الواحدة تستقر عند شخص في حدود الاعتقاد، وتتحول عند آخر إلى مشروع يفرضه على الواقع؟ هنا تتكشف قيمة علم النفس في تتبع الصلة بين القناعة والفعل، وبين الانتماء والتماهي، وبين ما تعرضه الجماعة من يقين وما يبحث عنه الفرد فيها من طمأنينة.
ويتصل هذا العمق بعناية تاريخية يكشفها مثال من الفصل الخامس؛ تناقش الشعلان القول بأن جهيمان اختار العيش في المدينة سنة 1973، وترجح استقراره فيها منذ منتصف الستينيات، مستندةً إلى مشاركته في حادثة تكسير الصور سنة 1965، ثم إسهامه في تأسيس الجماعة السلفية المحتسبة سنة 1966، مع تصريحها بعدم توافر توثيق دقيق لتاريخ انتقاله، فيجتمع وضوح الاستدلال مع الأمانة في بيان درجته.
ثم تناقش القول بجهالة سبب الانتقال، مستعينةً بما نقله ناصر الحزيمي عن تعليل جهيمان اختياره المدينة بفضائلها وامتناع دخول الدجال إليها، وتستخرج من الشهادة احتمال حضور أفكار آخر الزمان لديه منذ سنة 1965 على الأقل، وهنا يخدم التحقيق التاريخي التفسير النفسي؛ إذ يساعد توقيت حضور الفكرة على تقدير امتدادها في حياته، وفهم الصلة بين اختياره المكان وتصوراته عن المستقبل.
هكذا يكتسب التفصيل موقعه داخل الحجة؛ فالانتقال إلى مدينة يفتح سؤال الأمان والخطر، وتحديد السنة يعيد ترتيب مراحل تشكل الوعي، وتصبح الرواية الشخصية مادةً لفهم العلاقة بين المكان والمصير، وفي هذا الوصل تظهر قيمة الجمع بين دقة المؤرخ وأسئلة المتخصص في النفس، ومن هنا يأتي احتفائي بالكتاب وصلته بحاجة وطنية ملحة؛ فحماية المجتمع من تجدد التطرف تستدعي اتساع أدوات معرفتنا بالمراحل التي يكتسب فيها سلطته على الإنسان، وأستخلص من هذه القراءة أسئلة وقائية عن تشكل اليقين المغلق، وجاذبية الجماعة التي تمنح الفرد تفسيرًا شاملًا لحياته، وعلاقة حاجته إلى المعنى باستعداده لتسليم إرادته، وهي أسئلة تستحق جهدًا بحثيًا متصلًا.
تستحق لطيفة الشعلان التقدير على هذا العمل الذي يمنح التخصص النفسي حضورًا فاعلًا في قراءة تاريخنا، ومن وجوه قيمته التأسيسية أنه يدرب القارئ على سؤال أكثر تركيبًا، وعلى ملاحظة الفروق بين أشخاص ومسارات تبدو متشابهة، وكلما تعمقت معرفتنا بهذه الفروق، اتضحت أهمية صون إرادة الإنسان وصلته بالحياة وقدرته على مراجعة معتقداته.