«حنا بالسعودية، لا تخافين».
مشهد لافت من الاعتداء الإرهابي على مطار الملك خالد الدولي بالرياض، عرضته قناة «العربية».
لم يشرح الطفل طبيعة الخطر، لم يكن يملك إجابة عما قد يحدث، لكنه استحضر اسم وطنه وكأنه يستحضر معه معاني الأمان.
عفوية كلماته لخصت ما قد تعجز عنه خطابات طويلة.
توقفت طويلًا عند المشهد، الطفل لم يتطرق لقوة أو سلاح أو إجراءات أمنية، إنما ببساطة قال «إنه في السعودية»، وكأن الوطن في وجدانه أصبح مرادفًا للطمأنينة ومكانًا يشعره أن هناك من يحميه ويعتني به، والأجمل أن العبارة تلقائية، خرجت في لحظة خالطها خوف بحاجة إلى الأمان.
طمأنينة الأوطان تتجاوز غياب الخطر، فهي الثقة التي تتشكل عبر سنوات من التجارب، حين يدرك الإنسان أن هناك مؤسسات تعمل لحمايته ومجتمعاً يقف معه ومنظومة تستجيب له حين تشتد الأزمات. رصيد يتراكم في الأيام العادية، وتظهر قيمته حين تصبح الحياة أقل يقينًا. هذه الثقة لا تعني أن شيئًا مؤلماً لن يقع، إنما أن مواجهة الألم ليست مسؤولية الفرد وحده.
لا يمكن الحديث عن هذه الطمأنينة دون التوقف عند من فقدوا حياتهم أو أصيبوا في الاعتداء الإرهابي، عند أسرهم التي تحمل ألم الفقد والقلق. فخلف كل ضحية حكاية إنسانية، وأسرة تنتظر، وحياة تغيرت في لحظة. والوفاء لهؤلاء يبدأ بالاعتراف بحجم الألم، وألا تضيع معاناتهم خلف مشاهد البطولة والتماسك.
في الأزمات تظهر قيمة ما يعرف في الصحة العامة بـ " المرونة المجتمعية" ، وهي قدرة المجتمع على التكيف مع الصدمات، ومساندة أفراده، وحشد موارده، واستعادة توازنه بعد المحن.
هذه القدرة تبنى في الأيام العادية، من خلال الثقة بالمؤسسات والروابط الاجتماعية والشعور بالانتماء. الجار الذي يطمئن على جاره، المتطوع الذي يبادر إلى المساعدة، كلاهما يسهم في بناء مجتمع قادر على الصمود.
ما يستحق التأمل أن الأمن والطمأنينة رغم ارتباطهما الوثيق ليسا شيئًا واحدًا. الأمن يرتبط بالإجراءات والإمكانات التي تحمي الإنسان، أما الطمأنينة فهي ما يشعر به نتيجة ثقته في تلك الحماية. كل خطة تعد مسبقًا، وتدريب ينفذ، ومعلومة موثوقة تصل إلى الناس في وقتها، تسهم في تعزيز هذه الثقة وتجعل الخوف أكثر قابلية للإدارة.
رأينا هذه المرونة في مشاهد نقلها الإعلام من صالة المسافرين. فبينما تحرك رجال الأمن والدفاع المدني والإسعاف للتعامل مع الخطر، ظهرت «عبير العجمي» وسط الارتباك وهي ترشد المسافرين لمخارج الإخلاء. موقفها جاء صورة للمسؤولية التي تمنح الآخرين الطمأنينة في لحظة صعبة.
في مشاهد أخرى برز تضامن المسافرين من جنسيات مختلفة، وهم يساندون بعضهم بعضا. فالاعتداء الذي لم يفرق بين الناس، قابله تضامن لم يفرق بينهم أيضاً.
الحملة الوطنية السنوية للتبرع بالدم التي أطلقها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بتبرعه بالدم، تقدم صورة أخرى لهذا التماسك. وحظي التفاعل المجتمعي الواسع معها بتقدير مجلس الوزراء، لما تمثله من ترسيخ لقيم العمل الإنساني، وإسهام في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الدم ومكوناته.
الحملة التي سبقت الاعتداء الإرهابي تذكرنا بأن الاستعداد لخدمة الآخرين، يبنى قبل وقوع الأزمات، وأن الانتماء يتحول إلى فعل حين يمد الإنسان يده لإنقاذ حياة شخص قد لا يعرفه. من زاوية الصحة الوقائية يذكرنا مشهد الطفل بأن التماسك لا يعني غياب الخوف. فالأطفال يلتقطون مشاعر الكبار وسلوكهم، قد يبدو بعضهم ثابتًا بينما داخله يحمل قلقًا لا يعرف كيف يعبر عنه. لذلك فاحتواء مشاعرهم، والاستماع إليهم، وشرح ما يحدث بلغة تناسب أعمارهم، جزء من الاستجابة للأزمات.
ومن حق الطفل الذي طمأن أخته أن يجد بدوره من يطمئنه. قوة الوطن تظهر في جاهزية مؤسساته، في تماسك مجتمعه، وقدرته على رعاية الإنسان حين تشتد المحن.
الطفل حين أراد أن يطمئن أخته لم يبحث عن وعد يقدمه لها، إنما ببساطة قال: «حنا بالسعودية، لا تخافين».
ربما كانت هذه أصدق صورة للطمأنينة: أن يصبح اسم الوطن، حتى في لحظة الخوف، أول ما يخطر ببال طفل هجس بمنح أخته الأمان.