ويرى الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، وهو أستاذ فيزياء وكيمياء أيضًا، أنّ العِلم الحديث يغيّر تصوّرنا للواقع، وأنّ المعرفة العلميّة تقطع الإدراك الحسّي المباشر، رابطًا بين العقل العلميّ والمخيّلة الشعريّة. أمّا محمود صبري فقد ذهبَ إلى تأسيس لغة تشكيليّة جديدة تَجعل اللّونَ والخطَّ والشكلَ مُعادلاتٍ بصريّةً للطاقة والحركة.
في العام 1972، قُدّر لي أن أحاور محمود صبري و أقدّمه إلى الجمهور، وذلك في مبنى «نادي الصداقة» في براغ، الواقع في الشارع الوطني، وبحضورٍ عربيّ لافت، حيث كنتُ رئيسًا لجمعيّة الطلبة العراقيّين في فترة دراستي للدكتوراه، في ندوة حملت عنوان المقالة في أعلاه، وهو العنوان الذي أصبح لاحقًا عنوانًا لكتابٍ أصدره يَشرح فيه نظريّته، وألحقه بكتابٍ آخر بعنوان: «الفنّ والإنسان.. دراسة في شكل جديد من الفنّ».
وأوّل سؤال وجّهته له من المنصّة: كيف يُمكن أن يُوائم بين نظريّته وبين الفكر الماركسي الذي كان متأثّرًا به؟
وما لفتني مبكّرًا أنّه يَختلف عن الكثير من مُجايليه، فهو لا يَنظر إلى الماركسيّة باعتبارها عقيدةً جامدة، بل يرى فيها مَنهجًا لفهْمِ حركة التاريخ والطبيعة، وكان جوابه أنّ الماديّة الديالكتيكيّة لا تتعارض مع فيزياء الكمّ، بل يُمكن أن تتجدّد في ضوء منجزاتها.
وفي جوابٍ عن سؤال لأحد المُتداخلين حول ما الذي يَفهمه العامل والفلّاح من خطوط وألوان لا تُعطيه أيّة دلائل جماليّة واقعيّة؟
قال إنّه غير مَعنيّ بتصوير الإنسان في إطار الواقعيّة الاجتماعيّة، وإنّما هدفه كفنّان الذهاب إلى ما هو أعمق من ذلك؛ إنّه معنيّ بواقعيّة منشغلة بالبنية الفيزيائيّة للعالَم نفسه.
اعتمدتْ نظريّةُ محمود صبري على أنّ الواقع الذي ينبغي للفنّان أن يصوّره لم يَعُد هو الواقع المرئي بالعيْن فقط، وخصوصًا أنّ فيزياء الذرّة والكمّ تكشِف عن مستوىً أعمق للوجود، وما على الفنّان والفنّ سوى التعبير عن هذا الواقع الكميّ «الذرّي» وقوانين الطّاقة والحركة، وليس التعبير عن المظاهر الخارجيّة للأشياء. فالعالَم ليس مجموعة أشياء، بل هو شبكة معقّدة من التحوّلات والطّاقة.
اللوحة وواقعية الكم
حاولَ محمود صبري تحويل الأطياف الذريّة والأمواج الكهرومغناطيسيّة إلى تراكيب لونيّة بدلًا من رسْمِ الإنسان أو الطبيعة، وهكذا ظَهرتْ لوحاتُه كخطوطٍ لونيّة وهندسيّة في غاية التناسق، حيث كان يرى أنّ لكلّ عنصر ولكلّ ذرّة خصائص طاقيّة يُمكن التعبير عنها بصريًّا بالألوان والأشكال. ويبدو للوهلة الأولى أنّ تلك الرسومات واللّوحات تعطي انطباعًا بأنّها تجريديّة Abstract Paintings، لكنّه كان يرفض إطلاق هذه الصفة عليها، ويصرّ على تسميتها بالواقعيّة، وهي واقعيّة تختلف عن الواقعيّة التقليديّة. ويعتبر أنّ واقعيّته هي أكثر واقعيّة من الواقعيّات الأخرى، لأنّها تَستند إلى حقيقةٍ علميّة غير مَرئيّة، في حين أنّ الواقعيّة الكلاسيكيّة تَكتفي بما تراه العين، فهو يرى أنّ الفنّ ينبغي أن يُحاكي الطبيعة بوصفها عمليّات متحرّكة ومتغيّرة وليست أشياء جامدة.
وفي حوارٍ خاصّ معه في براغ في أواخر الثمانينيّات من القرن الماضي، ومن ثمّ في محاضرة له في «الكوفة غاليري» في لندن في العام 1992، أشار إلى أنّها واقعيّة تختلف عن «الواقعيّة الاشتراكيّة الجدانوفيّة» أيضًا، تلك التي سادت في الدول الاشتراكيّة خلال الفترة الستالينيّة بشكلٍ خاصّ، حيث أُخضع الأدب والفنّ والثقافة والموسيقى إلى معايير بيروقراطيّة صارمة، كانت تنظر إليها، لا بوصفها نشاطًا جماليًّا حرًّا، بل يجب تجييرها لمصلحة الحزب، وما عدا ذلك، فستكون هذه الحقول في خدمة البورجوازيّة أو يُنظر إليها كفنون شكلانيّة وفردانيّة لا تخدم أهداف المجتمع الاشتراكي.
«واقعيّة الكمّ» هي مشروع فلسفيّ يقوم على العِلم، وهي ليست مجرّد تجربة تشكيليّة، فالفنّ مِثل العِلم والفلسفة ينبغي أن يُواكِب تطوُّرَ المعرفة الإنسانيّة الحديثة، وأنّ الثورة العِلميّة التي أحدثتْها فيزياءُ الكمّ تتطلّب ثورةً موازية في الفنّ، وبشكلٍ خاصّ في اللّغة البصريّة. فالفيزياء الحديثة أثبتت أنّ المادّةَ ليست كتلةً صلبة، بل هي شبكة من الطّاقات والعلاقات والاحتمالات، وأنّ الفنّ مُطالَب بأن يَعكس هذا الفهم الجديد للعالَم، كما يرى صبري.
ويبقى سؤال الحداثة قائمًا ويواجه الفنّان، وهو ما كان يشغل محمود صبري، فما هي وظيفة الفنّ؟
هل هي تقليد للطبيعة أم الكشف عن حقيقتها؟ وهو يرى أنّ الفنّ ليس كاميرا تلتقط صور الإنسان والطبيعة، وإنّما هو حالة تتولّى الكشف عمّا لا يُرى، حيث تصبح اللّوحة وسيلةَ معرفة، لا مجرّد موضوع للمتعة الجماليّة.
تفرَّدَ صبري عن مجايليه من الروّاد العراقيّين بتأسيس نظريّته على العِلم الحديث ودمْجه بالفنّ، في حين اتّجه جواد سليم إلى استلهام التراث الحضاريّ للعراق وتاريخه القديم. أمّا شاكر حسن آل سعيد فقد اتّخذ من الصوفيّة مصدرًا لفنّه يَستلهم منه جماليّته، ومَنَحَ فائق حسن الريشةَ هويّةً بجعْلِ اللّون مرآةً لروح العراق.
مدرسة جديدة
لم يكن محمود صبري مجرّد فنّان تشكيلي يريد تقديم شكل جديد للرسم، بل كان يفتّش عن الإنسان الجديد الذي يرى العالم بعين العِلم والمعرفة العلميّة، ولا يستكين لما هو قائم ومنظور، بل يبحث عمّا خلفه وما لا يُرى في إعادة تأصيل العلاقة بين العقل والجمال؛ وكان يعتقد أنّ الفن ينبغي ألّا يبقى أسير النظرة التقليديّة، ولا بدّ من ردم الهوّة أو تجسير الفجوة بين المحترف الفنّي والمختبر العلميّ، بين اللّون والذرّة وبين الحقيقة والجمال، فالإبداع هو محاولة اكتشاف العالم، أو الأصح المشاركة في اكتشافه وليس انعكاسًا له.
صحيح أنّ «واقعيّة الكمّ» لم تحظَ عربيًّا أو عالَميًّا بالشهرة، وبقي تأثيرُها محدودًا لاعتباراتٍ تتعلّق بالسرديّات الغربيّة المهيْمنة وضعف الحضور العربيّ، فلم تصبح نظريّة لها أتباعها ومؤيّدوها كالتكعيبيّة والسرياليّة مثلًا، إلّا أنّها كانت محاولةً أصيلةً وجادّة، فلم تكُن تقليدًا لمدرسة سبَقتْها، بل يُمكنني القول إنّ جدّتَها وصعوبتَها ربّما حالا دون انتشارها، وخصوصًا ربْط الفيزياء بالفنّ، وتحويل قوانين فيزياء الكمّ إلى لغةٍ تشكيليّة في تأويلٍ إبداعي. وقد بدأ الاهتمام بها في السنوات الأخيرة، وخصوصًا عشيّة الألفيّة الثالثة وما بعدها، فأعادت مؤسّساتٌ مثل «المتحف العربيّ للفنّ الحديث» دراسةَ تجربة واقعيّة الكمّ بوصفها من أكثر المحاولات الفكريّة أصالةً، وهو ما يمكن اعتباره محاولةً جريئةً ورؤيةً استشرافيّة وجهدًا نادرًا، يبقى مفتوحًا وبحاجةٍ إلى استكمالٍ وتطوير.
ويُعتبر محمود صبري مفكّرًا مجتهدًا وليس فنّانًا فحسب، وعليه فإنّ مشروعه الذي نتناوله في مقالتنا هذه جدير بالدراسة، وقد أُدرج بيانه «واقعيّة الكمّ» من ضمن أهمّ الوثائق المؤسِّسة للفنّ العربي الحديث في كتاب Modern Art in the Arab World: Primary Documents، وفي «متحف الفنّ العربيّ الحديث».
وبَعد وفاته في العام 2012، تناول نظريّته عددٌ من النقّاد بينهم «روكسان زند» المؤرِّخة الفنيّة والباحثة البريطانيّة في فنون الشرق الأوسط، وعملتْ في دار سوذبيز Sotheby’s، وكتبتْ تقول إنّ محمود صبري حاولَ توحيد الفنّ والعِلم، وإنّ أعماله امتازت ببُعدٍ فلسفيّ وكونيّ يتجاوز الواقعيّة الاجتماعيّة، وهو ما سبَق أن أشارت إليه الباحثة ندى الشبّوط، وذَهب عبدالله حبّه إلى القول عن تطوّر فنّ محمود صبري: إنّه انتقلَ إلى واقعيّة الكمّ عَبر تطوُّرٍ داخليّ في رؤيته للفنّ والإنسان والطبيعة في محاولة التعبير عن الواقع اللّا مرئيّ، أيّ عالَم الذرّات والطّاقة والجُسيمات.
أخلص إلى القول إنّ محاولة محمود صبري رائدة ومثيرة للاهتمام وقد يكون سابقًا لزمانه، حتّى وإن ظلّت محصورةً في بيئةٍ محدودة، فقد انطلقَ صبري من الفلسفة إلى بنية الواقع نفسه، منشغلًا بشبكة التحوّلات والطّاقة، وحاول الإجابة عن سؤال: هل يستطيع الفنّ أن يكون معرفةً وليس تعبيرًا فقط؟ مُتزامنًا مع نظريّات اهتمّت بالحركة والطاقة وأخرى بتيّارات الفنّ الحركيّ وثالثة بالزمن والحركة ورابعة بالرياضيّات والهندسة.
وإن كان ثمّة نقد يوجّه إلى نظريّة «واقعيّة الكمّ» باعتبارها استعارةً أكثر منها علاقة علميّة قابلة للإثبات بين الفنّ والعِلم، فإنّ قوّة دفاعات صبري تنطلق من فكرة الحداثة ذاتها؛ فهل توجد حداثة واحدة؟ وهل نكتفي كعالَمٍ ثالث في استيراد الحداثة؟ أم يمكن أن نشترك في صنعها؟ وإذا كانت هناك حداثات متعدّدة، فلا ينبغي للغرب، والحالة هذه، احتكار المعرفة والثقافة بحسب إدوارد سعيد، ولا بدّ للانتقال من موقع التلقّي إلى موقع الإنتاج المعرفي، وهو السؤال الذي ظلّ معلّقًا: عن علاقة المركز بالأطراف والمتن بالهامش.
إنّ محاولة محمود صبري هي دعوة إلى قراءة العالَم من مواقع متعدّدة، لا من مركزٍ واحد، لأنّه كفنّان لم يكتفِ بالقبول باستيراد الحداثة الغربيّة، بل حاول بناء حداثة جديدة عبر نظريّة خاصّة. ويمكنني القول إنّ الحداثة ليست ملكًا جغرافيًّا لأمّة أو شعب أو لغة أو حضارة، إنّها تفاعل حضارات وثقافات متعدّدة في السابق والحاضر أَنتجت أسئلةً مختلفة عن الكون والطبيعة والإنسان، وقد اعتَبر محمّد أركون أنّ الحداثة التي يسعى إليها تقوم على تحرير العقل من الجمود، والانفتاح على مفاهيم العلوم الحديثة.
أمّا محمود صبري فقد سعى إلى تحرير العيْن من أسرِ الظاهر لترى العالَم في حركته العميقة، وبذلك يَكتمل مشروعُ النهضة الحديثة ليشملَ الفكرَ والسياسة والأدب بشكلٍ عامّ، والشعرَ بشكلٍ خاصّ، مثلما يرى أنّه ينبغي أن يَشمل الفنّ.
وبمفهوم المفكّر الإيطالي أنطونيو غرامشي، يُعدّ محمود صبري مثقّفًا عضويًّا، فهو يرى أنّ الفنّان جزءٌ من حركة الوعي الاجتماعي وليس مُنتِج جماليّات فحسب، الأمر الذي ينبغي ألّا يظلّ مشروعُه منسيًّا أو خارج دائرة الضوء.
* مفكّر وأكاديميّ من العراق
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.