أعجب ما في خطاب هذه الميليشيا أنها لم تكتفِ بالمطالبة بالسلطة والسلاح، وإنما أرادت أن تتحدث باسم السماء أيضًا. فهي ترفع شعارات دينية لتبرير خياراتها السياسية والعسكرية، وتصور معاركها باعتبارها واجبًا مقدسًا، حتى يكاد المرء يتساءل ساخرًا: هل أصبحت مفاتيح الجنة عهدةً في مخازن السلاح، تُصرف مع الذخيرة وتُسلّم مع البنادق؟
ويا لها من مفارقة تستحق التأمل! ميليشيا ترفع شعار الموت، ثم تتحدث عن حق اليمنيين في الحياة. تتحدث عن السيادة الوطنية، تدعي الدفاع عن المستضعفين، في الوقت الذي وثقت فيه المنظمات الدولية انتهاكات ارتكبتها بحق المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
أما الأطفال، فتلك صفحة لا يمكن المرور عليها دون مساءلة. فقد وثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان تجنيد الحوثيين للأطفال واستخدامهم في النزاع المسلح، وهي ممارسات تحرم الصغار من حقهم في التعليم والأمان والنمو الطبيعي، وتعرضهم لخطر الإصابة والموت. فأي بطولة تلك التي تحتاج إلى طفل يحمل بندقية قبل أن يتعلم كيف يحمل حقيبته المدرسية؟ وأي مشروع سياسي يستمد قوته من تحويل الصغار إلى مقاتلين؟ إن استغلال الأطفال في الحرب انتهاك جسيم، ولا تستطيع الشعارات الدينية أو السياسية أن تمنحه شرعية أخلاقية أو قانونية.
في المناطق الخاضعة لسلطة الحوثيين قضية تثير قلقًا حقوقيًا متواصلًا. فقد وثقت منظمات دولية حالات اعتقال تعسفي وإخفاء قسري وتضييق على الصحفيين والناشطين والعاملين في المجال الإنساني. وهذه الممارسات تضع خطاب الميليشيا عن العدالة والكرامة أمام اختبار لا تستطيع الشعارات وحدها الإجابة عنه.
لم تعد الانتهاكات المنسوبة إلى ميليشيا الحوثي مجرد موضوع للسجال السياسي. فقد أدرج مجلس الأمن الدولي الحوثيين بموجب قراره رقم 2624 لعام 2022 ضمن الكيانات الخاضعة لحظر الأسلحة، مستندًا إلى ممارسات شملت الهجمات على المدنيين والمنشآت المدنية، وتجنيد الأطفال، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، والاعتداءات على الملاحة التجارية.
وجاء القرار رقم 2801 لعام 2025 ليجدد نظام العقوبات المتعلق باليمن حتى نوفمبر 2026، مؤكدًا ضرورة التصدي لتهريب الأسلحة ومكونات استخدامها، ومشددًا على الالتزام بالتدابير الدولية ذات الصلة. كما شهد عام 2025 تصنيف الولايات المتحدة الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، بما يرتبه هذا التصنيف من آثار قانونية ومالية وفق التشريعات الأمريكية.
وفي سبتمبر 2026، أدان أعضاء مجلس الأمن استمرار الهجمات الحوثية على السعودية، بما فيها الاعتداءات على البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة، وجددوا إدانتهم للتهديدات التي تستهدف الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب. وفي أكتوبر من العام نفسه، حذرت الأمم المتحدة من اتساع الحرب في اليمن، ودعت إلى حماية المدنيين واستئناف الجهود السياسية.
وهنا تبرز مسؤولية الدول والكيانات التي تقدم دعمًا محظورًا لهذه الميليشيا. فقرارات مجلس الأمن ليست نصوصًا بروتوكولية، وحظر الأسلحة ليس توصية يمكن تجاهلها وفق المصالح السياسية. تقديم السلاح أو تسهيل نقله بالمخالفة للتدابير الدولية قد يرتب مسؤوليات قانونية، كما أن التمويل أو الدعم المادي المحظور قد يعرض الأشخاص والكيانات المتورطة لعقوبات اقتصادية ومالية بموجب الأنظمة واجبة التطبيق.
من يسهم في استمرار آلة الحرب، وهو يعلم طبيعة الانتهاكات المرتبطة بها، لا يستطيع أن يتعامل مع المسؤولية القانونية وكأنها شأن لا يعنيه. فالمصالح الاقتصادية لا تمنح حصانة من العقوبات، والعلاقات السياسية لا تلغي الالتزامات الدولية، والسيادة لا تصلح ذريعة لخرق قرارات مجلس الأمن الملزمة.
ولعل المفارقة الكبرى أن اليمن، صاحب التاريخ الحضاري العريق، يجد نفسه منذ سنوات في مواجهة تحديات تهدد مؤسساته ونسيجه الاجتماعي ومستقبل أجياله. فاليمن بلد العمارة والتجارة والشعر والحكمة، تاريخه أوسع من أي ميليشيا، وهويته أعمق من أي مشروع سياسي مسلح.
ما قيمة الحديث عن أمجاد الأجداد حين تتعطل مدارس الأحفاد؟ وما معنى الانتصارات العسكرية حين يحتاج الملايين إلى المساعدات الإنسانية؟ وما جدوى الشعارات العابرة للحدود إذا كان المواطن اليمني عاجزًا عن الحصول على احتياجاته الأساسية داخل وطنه؟
أخطر ما تفعله المشاريع المؤدلجة هو محاولة إعادة تعريف المأساة باعتبارها إنجازًا. فيصبح الفقر صمودًا، والجوع تضحية، والخوف طاعة، وموت الأطفال بطولة. وحين تتحول هذه المفاهيم إلى أدوات للتعبئة، تتراجع قيمة الإنسان أمام متطلبات المشروع السياسي والعسكري.
مستقبل اليمن، لن تصنعه البنادق وحدها، ولا يمكن ضمانه بإقصاء المجتمع أو مصادرة إرادته. فبناء الدولة يتطلب مؤسسات خاضعة للمساءلة، وحمايةً للحقوق، وتسويةً سياسية تعترف بالتعدد اليمني وتضع مصلحة المواطنين فوق حسابات القوة.
أتحدث عن ميليشيا ترفع شعارات السيادة في وقت تواجه فيه حظرًا دوليًا على السلاح، عن مشروع سياسي يقدم الموت في خطاب التعبئة، بينما ينتظر اليمنيون إجابات عملية عن الحياة والأمن والكرامة.. عن الزنابيل أتحدث.