والشركة، بدورها، لا تكون شريكًا بخطاب تأييد. ينبغي أن تلتزم بمساهمة مالية مناسبة لقدرتها، ووقت محدد لمهندسيها، وإتاحة مأمونة للبيانات والعينات، ومسؤول يملك صلاحية اتخاذ القرار وترتيب تمويل تنفيذه. أما الدعم العام، فينبغي ترجيح توجيهه إلى ما يضيف معرفة أو مهارات أو منفعة تتجاوز المصلحة التجارية المباشرة، لا إلى سداد أعمال روتينية كانت المنشأة ستشتريها على أي حال. نريد شراكة تتقاسم التعلم والمخاطرة، لا فاتورة تجارية تبحث عن غطاء بحثي.
ثم تظهر العقبة الأقل وضوحًا: قد تستلم الشركة التقرير ولا تستلم القدرة. لذلك لا يكفي أن يُرسل المختبر وصفة الطلاء؛ ينبغي أن يفهم فريق المنشأة كيف يطبقها، ومتى لا تصلح، وكيف يفسر اختلاف النتائج. وتقدم «شراكات نقل المعرفة» البريطانية نموذجًا لهذه الحلقة: متخصص توظفه الجهة الأكاديمية ويعمل داخل الشركة على مشروع ابتكاري، بإشراف من الطرفين وتمويل تتقاسمه الحكومة والشركة. ليست العبرة باستنساخ البرنامج، بل بوضع من يحمل المعرفة حيث ستُستخدم.
ولذلك أقترح أن تتضمن المهمة «اختبار انتقال المعرفة»: يعيد فريق المنشأة تنفيذ الإجراء، ضمن ضوابط السلامة، اعتمادًا على التوثيق والتدريب، لا على حضور الباحث في كل خطوة. ويُراجع الأداء بعد انتهاء المشروع. عندئذ تصبح كفاءة المهندس والفني جزءًا من التسليم، وتكتسب مشاركة طلاب الدراسات العليا والخريجين معنى يتجاوز إضافة الأسماء إلى التقرير. لا نريد أن ينتهي المشروع بخبير يعرف كل شيء، ومنشأة تضطر إلى استدعائه كلما تغير شيء.
ولكيلا يتحول النجاح إلى نزاع، تُحسم حقوق المعرفة قبل التجربة: ما الذي جاء به كل طرف؟ ومن يحق له استخدام النتائج وترخيصها؟ وكيف تُحمى الأسرار من دون تعطيل النشر إلى أجل مجهول؟ يمكن الاستفادة من منطق نماذج «لامبرت» البريطانية لتبسيط التفاوض، مع صياغة سعودية ملائمة؛ فالنماذج الأصلية معدة للقانون الإنجليزي، وليست عقودًا جاهزة للنقل إلى بيئة أخرى. وضوح الحقوق ليس إجراءً يأتي بعد التعاون؛ إنه أحد شروط الاطمئنان إلى بدئه.
يبقى الامتحان الذي لا تؤديه صور التوقيع: ماذا تغير؟ يمكن اختبار هذا المسار في مجموعة محدودة من المشكلات الصناعية قصيرة الدورة، ونشر نتائجها المجمعة: زمن التعاقد، والمهام التي أفضت إلى قرار مسند بالأدلة، وقدرة المنشآت على استخدام المعرفة، وأسباب التعثر. وتُراجع الوفورات بعد احتساب كلفة التطبيق والتشغيل، ومراعاة تغير حجم الإنتاج والظروف المحيطة؛ فلا تُنسب كل زيادة في الكفاءة إلى البحث لمجرد أنها حدثت بعده، ولا تُخفى المهام المتعثرة وراء انتقاء قصص النجاح.
وعلى الجانب الجامعي، يستحق تصميم تجربة متينة، وإنتاج بيانات قابلة للتحقق، وبناء قدرة لدى الشريك، وزنًا في تقييم المسار التطبيقي، إلى جانب جودة النشر. وإلا طلبنا من الباحث أثرًا لا نعترف بالعمل الذي يصنعه. وفي المقابل، لا ينبغي أن تصبح رغبة الشركة حكمًا على صدق النتيجة أو قيمة الباحث؛ فاستقلاله ليس عقبة أمام المنفعة، بل ضمانة ألّا تُشترى الطمأنينة بدل الحقيقة.
كل ذلك يخص البحث الموجه إلى مشكلة معلومة، لا العلم كله. فالبحث الأساسي يستكشف ما لم تتعلم السوق طلبه بعد، وللبحوث الإنسانية والاجتماعية والصحية منافع لا يستوعبها حساب الأرباح وحده. ما نحتاجه ليس تحويل الجامعة إلى متجر، بل التمييز بين تمويل الاستكشاف وتمويل مهمة تستهدف قرارًا محددًا، ثم مساءلة كل مسار بما يلائم غايته وأفقه الزمني.
من يشتري نتيجة البحث؟ يبدأ الجواب عند صاحب مشكلة مستعد لأن يتعلم، لا عند ممول يشترط أن يسمع ما يريد. وقد تكون الحصيلة مادة أفضل، أو مهارة باقية، أو قرارًا مسندًا بعدم الاستثمار. قيمة المختبر لا تُحبس في ورقة، ولا تُختزل في فاتورة؛ تتجلى، أيضًا، في قرار أصبح أصوب لأن العلم مرّ من هنا.