لم تكتفِ عصابة الحوثي المارقة بتقويض مؤسسات الدولة اليمنية، بل وظفت الشعارات الدينية والأيديولوجية لتبرير هيمنتها المسلحة، وتعميق الانقسامات المجتمعية. وقد وثقت تقارير أممية انتهاكات منسوبة إلى الحوثيين، بينها تجنيد الأطفال وعرقلة المساعدات الإنسانية، في تناقض مع قيم الإسلام القائمة على العدل والرحمة وصون الأرواح.
تتجلى خطورة هذا التناقض في الاعتداءات التي طالت أمن المملكة، ومنها اعتراض مسيّرة حوثية قرب مكة المكرمة، واستهداف منشأة كهربائية بالمدينة المنورة خلال سبتمبر 2026.
في 24 أكتوبر 2026، أعلن الدفاع المدني سقوط أجزاء من صاروخين باليستيين حوثيين جرى اعتراضهما في وادي المغمّس ؛ وهو موقع تستحضره الذاكرة التاريخية عند ذكر قصة أبرهة وجيش الفيل حين قصد مكة للاعتداء على الكعبة المشرفة. ويقع الوادي شرق مكة المكرمة قرب مشعر عرفات، ويرتبط تاريخيًا بحادثة الفيل الشهيرة، ففيه نزل أبرهة عام 571-570م تقريبًا، وهو عام مولد النبي، حيث برك الفيل ورفض التقدم نحو مكة فأرسل اللّٰه عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل.
ورغم اختلاف الواقعتين تاريخيًا، فإن حرمة المكان تفرض سؤالًا لا يمكن تجاوزه:
من يعرض أمن مكة المكرمة والمدينة المنورة للتهديد، فأي قبلة يدّعي تعظيمها؟ وأي قيم تبرر تعريض أرض تحتضن بيت الله الحرام ومسجد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم للخطر؟
تعظيم المقدسات لا تثبته الشعارات، بل تصدقه الممارسات التي تحمي الأرواح وتصون أمن الأوطان.
أكد اللواء الركن تركي المالكي، المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف، حق المملكة الأصيل في الدفاع عن سيادتها، واتخاذ الإجراءات العملياتية اللازمة لردع الاعتداءات الحوثية وحماية الحرمين الشريفين والمواطنين والمقيمين والمقدرات الوطنية.
الاعتداءات على أمن الوطن لن تمر مرور الكرام؛ والردع الحازم ضرورة سيادية تستند إلى مقتضيات الدفاع المشروع والقانون الدولي.
ولا تنفصل حماية المملكة عن ضرورة استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، وإنهاء هيمنة السلاح خارج إطارها؛ فاستمرار تقويض الدولة يفاقم معاناة المدنيين ويستنزف الموارد ويعرقل التنمية.
بعيدًا عن الاعتداءات العسكرية، يواجه اليمن تحديًا تنمويًا متجذرًا يتمثل في زراعة القات وتعاطيه؛ إذ يضغط الإنفاق عليه على دخل الأسر، وقد يؤثر في الإنتاجية والاستقرار الاجتماعي، بينما تستنزف زراعته المياه الجوفية الشحيحة وتزاحم المحاصيل الغذائية.
ومواجهة هذه الظاهرة تتطلب بدائل زراعية مجدية، وفرصًا اقتصادية منتجة، وتوعية تراعي احتياجات المزارعين والأسر.
وفي هذا السياق، تبرز الجهود السعودية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، ومشروع «مسام» لنزع الألغام، بوصفها إسهامات عملية في حماية المدنيين وتحسين مقومات الحياة.
هنا أقترح إطلاق مبادرة سعودية يمنية للاتصال التنموي، تجمع المؤسسات الإنسانية والتنموية والإعلامية والقيادات المجتمعية، وتستهدف مواجهة التضليل الأيديولوجي، والتوعية بمخاطر الألغام، وتشجيع البدائل الزراعية للقات.
تقوم المبادرة على دراسة الجمهور، وإشراك المجتمعات المحلية في تصميم الحلول، وقياس التغير في المعرفة والسلوك؛ فالنجاح الاتصالي لا يُقاس بعدد المشاهدات، بل بقدرته على حماية طفل من لغم، ومساعدة مزارع على اختيار محصول بديل، وتمكين أسرة من تحسين مواردها.
ولجنودنا البواسل من القوات المسلحة ورجال الأمن وحرس الحدود خالص الاعتزاز بتضحياتهم في حماية الوطن؛ حفظهم الله، ورحم شهداء الواجب، وشفى المصابين.
أمن السعودية خط أحمر، ومستقبل اليمن لا تصنعه الشعارات المسلحة، بل دولة تستعيد مؤسساتها، وموارد تُستثمر في الإنسان، ووعي يتحرر من التضليل. فالردع يصون السيادة، والاتصال التنموي يبني الوعي، والتنمية تصنع المستقبل.