تُعد إدارة المخاطر المؤسسية ركيزة أساسية لحماية أهداف المؤسسة وتعزيز قدرتها على الاستدامة، وقد أكدت الأطر والمعايير الدولية، وفي مقدمتها COSO ERM 2017 وISO 31000:2018، أهمية التزام القيادة العليا ودمج إدارة المخاطر في الإستراتيجية والعمليات المؤسسية. وفي العديد من المؤسسات تبدي الإدارة العليا التزامًا واضحًا بتفعيل منظومة إدارة المخاطر، وتعمل على توفير الموارد والهياكل التنظيمية والسياسات اللازمة لدعمها. ومع ذلك، قد تواجه هذه الجهود تحديات داخلية تتمثل في ضعف استجابة بعض الوحدات التنظيمية أو القيادات الوسطى لمتطلبات إدارة المخاطر ومجالاتها العلمية المتعددة، مما يخلق فجوة بين التوجه الإستراتيجي والتطبيق الفعلي.

وتتخذ هذه التحديات صورًا متعددة، منها التأخر في تنفيذ خطط معالجة المخاطر، وضعف مشاركة البيانات والمعلومات، أو التشكيك في جدوى بعض الإجراءات بدعوى ارتفاع التكلفة أو ضغوط العمل. وقد ترتبط هذه الممارسات بثقافة تنظيمية ترى إدارة المخاطر عبئًا إداريًا إضافيًا، أو بتغليب الأهداف التشغيلية قصيرة المدى على متطلبات الاستدامة. ومع ذلك، لا يُعد كل تأخر في الاستجابة مقاومة تنظيمية بالضرورة، فقد ينشأ أيضًا عن ضعف وضوح المسؤوليات أو محدودية الصلاحيات، أو نقص الكفاءات والموارد اللازمة للتنفيذ.

وفي هذا السياق، تواجه القيادة العليا تحديًا يتجاوز اعتماد السياسات والإجراءات إلى ترسيخ ثقافة مؤسسية تقوم على الانفتاح والمساءلة والتكامل بين الوحدات التنظيمية. وقد أوضحت دراسة Exploring Risk Culture Controls المنشورة عام 2021، والمستندة إلى مقابلات مع 37 مشاركًا من القيادات ومديري المخاطر في مؤسسات ألمانية، أن تطوير ثقافة المخاطر يتطلب أدوات تنظيمية وقيادية تتناسب مع طبيعة المؤسسة، وأن نجاح تطبيقها يستلزم دعم الإدارة العليا والقيادات الوسطى معًا.


كما تناولت دراسة Enhancing Public Sector Enterprise Risk Management Through Interactive Information Processing المنشورة عام 2024 أهمية الثقافة التنظيمية الداعمة والتواصل المفتوح وتبادل المعلومات في تعزيز ممارسات إدارة المخاطر المؤسسية. وأشارت إلى أن الإجراءات الرسمية قد تتحول إلى ممارسات بيروقراطية محدودة الفاعلية إذا لم تقترن بوعي تنظيمي وقدرة على الاستجابة للمخاطر الناشئة، مما يعزز أهمية التكامل بين القيادة والممارسات التشغيلية.

وأظهرت دراسة Micro-foundations of Enterprise Risk Management (ERM) Effectiveness المنشورة عام 2026 في Journal of Risk Research، والمستندة إلى استجابات 449 من مديري المخاطر والتنفيذيين، وجود علاقة إيجابية بين القيادة التحويلية لدى المسؤولين عن إدارة المخاطر، واتساق الثقافة التنظيمية، والفاعلية المؤسسية لإدارة المخاطر. وتدعم هذه النتائج أهمية انتقال الالتزام من المستوى القيادي إلى الممارسات والسلوكيات التنظيمية، بما يعزز قدرة المؤسسة على تحقيق أهدافها.

وفي الجانب التطبيقي، تقدم SERC Risk Academy التابعة لكلية روبرت إتش سميث لإدارة الأعمال بجامعة ميريلاند نموذجًا للتدريب المهني القائم على تبادل الخبرات في إدارة المخاطر بين قطاعات مختلفة. ويمكن الاستفادة من هذا النهج داخل المؤسسات من خلال إشراك القيادات الوسطى والكوادر التشغيلية في برامج تدريبية وورش عمل مشتركة بين الوحدات التنظيمية، بما يسهم في بناء فهم مشترك لإدارة المخاطر، وتعزيز الوعي بأهميتها، والحد من مظاهر المقاومة المرتبطة بضعف المعرفة أو اختلاف الأولويات، فضلًا عن دعم التكامل بين الوحدات لتحقيق الأهداف الإستراتيجية للمؤسسة.

وعليه، فإن مواجهة هذه التحديات تتطلب ما يتجاوز توفير الموارد واعتماد السياسات، لتشمل وضوح الأدوار والمسؤوليات، وتعزيز المساءلة، وتكثيف البرامج التوعوية والتدريبية، وربط ممارسات إدارة المخاطر بالأهداف ومؤشرات الأداء، إلى جانب تفعيل التواصل الداخلي وإظهار القيمة المضافة لإدارة المخاطر في تحسين القرارات والعمليات المؤسسية وبالتالي تتكامل الرؤية مع الاستجابة، إلى ثقافة مؤسسية راسخة تعزز المرونة والاستدامة وتحقيق الأهداف الإستراتيجية.